(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… هل الموهبة وحدها تكفي؟ بين الصحافة والشهادة!!

يتساءل كثير من الشباب اليوم: هل يجب أن أدرس أربع سنوات في كلية الإعلام حتى أصبح صحفياً؟ وهل الشهادة هي التي تصنع الإعلامي؟
والإجابة التي نضعها كنقطة ضوء هي: الإسلام جعل الميزان هو العلم والأمانة، لا الشهادة وحدها ولا الموهبة وحدها.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]
هذه الآية هي أول قانون للصحافة في الإسلام. لا تتبع، لا تكتب، لا تنشر ما ليس لك به علم. فالموهبة أن تكتب جملة جميلة، لكن العلم هو أن تعرف هل هذه الجملة حق أم باطل، عدل أم ظلم.
وقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو أعظم إعلامي في التاريخ، لم يدرس في جامعة، لكنه تربى بوحي السماء، وكان يعلمنا منهج التثبت. قال تعالى يعلمنا أول قاعدة صحفية:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
فَتَبَيَّنُوا، وفي قراءة فَتَثَبَّتُوا. هذا هو الفرق بين من ينشر كل ما يسمع، وبين الإعلامي الحقيقي الذي يتبين.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ [رواه مسلم]
كم من موهوب اليوم يملك صفحة يتابعها الآلاف، فيحدث بكل ما سمع، فينشر شائعة تدمر بيتاً، وصورة مفبركة تفسد سمعة، وخبراً بلا مصدر يزرع فتنة. موهبته موجودة، لكن تثبته معدوم، فيكون كذاباً وهو لا يدري.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ [متفق عليه]، وإذا كان الكذب على النبي بهذه الخطورة، فكيف بالكذب على الناس وأعراضهم؟
إذن، هل الجامعة ضرورية؟
التاريخ يجيبنا. كبار من بنوا الصحافة العربية لم يدخلوا كلية إعلام، بل بعضهم لم يدخل جامعة أصلاً، لكنهم عوّضوا ذلك بالتعلم الذاتي المستمر حتى فاقوا الأكاديميين.
عباس محمود العقاد لم يكمل تعليمه الابتدائي، ومع ذلك أصبح عملاق الصحافة والفكر العربي، يكتب في السياسة والفلسفة والأدب كأنه جامعة تمشي على الأرض.
مصطفى صادق الرافعي لم يتخرج من جامعة، بل درس في كُتّاب، ثم علّم نفسه بنفسه حتى صار حجة في اللغة والأدب، ومدافعاً عن العربية بقلمه.
محمد حسنين هيكل، أشهر صحفي عربي في القرن العشرين، لم يدرس الإعلام، بل تخرج في كلية التجارة، لكنه كان يقرأ عشر ساعات في اليوم، ويتعلم من الميدان، ومن مصادره، ومن الكتب.
هؤلاء يثبتون أن الشهادة ليست شرطاً للعبقرية، لكنهم أيضاً يثبتون أن العبقرية بلا تعلم مستمر هي جهل مقنّع.
الجامعة ليست شرطاً للجنة ولا للنار، لكنها سبب من أسباب العلم. الإسلام لا يقدس الشهادة الورقية، بل يقدس العلم النافع، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. العلم هنا ليس مقصوراً على كلية الإعلام، بل هو كل علم يحمي قلمك من الزلل.
فالصحفي يحتاج علم القانون حتى لا يقع في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]
ويحتاج علم اللغة، لأن الكلمة أمانة، قال صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [متفق عليه]
ويحتاج علم الأخلاق، لأن النبي قال: وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [رواه مسلم]، فليس كل ما يُعلم يُنشر.
الخلاصة كنقطة ضوء:
لا تقل: أنا موهوب فلا حاجة لي للدراسة. ولا تقل: أنا خريج إعلام فأنا إعلامي. بل قل كما قال الله: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].
الموهبة تفتح لك الباب، والعلم المستمر يجعلك تبقى في الغرفة، والضمير يجعلك لا تبيع مفاتيحها.
فاجمع بين الثلاثة: قلب يخاف الله فلا يكذب، وعقل يتعلم فلا يجهل، وموهبة تنطلق فلا تموت.



