(من أعلى المنصة) ياسر الفادني يكتب… هذا عِيدنُا… فكيف عيدهُم؟

العيد ليس تكبيرًا فقط… ، العيد شعور بالأمان ، أن تخرج من بيتك نحو المصلى وقلبك مطمئن أن أبناءك سيعودون معك، وأن الطريق لا يقف فيه مسلح متوحش يسألك عن هويتك قبل أن يضغط على الزناد
هنا… في مناطق الصمود، يبدو العيد مختلفًا ، الوجوه بيضاء بالفرح، والتكبيرات تخرج عالية كالرعد، والأطفال يركضون في الشوارع بثيابهم الجديدة، والناس يتبادلون التهاني والدعوات بالنصر، بينما جنود القوات المسلحة يقفون في المتاريس والخنادق يحرسون الوطن بعيون لا تنام، فيشعر المواطن أن خلفه ظهرًا لا ينكسر وسيفًا لا يصدأ ،أما هناك… ، في المناطق التي دنّسها مغول الجنجويد، فالعيد يرتدي السواد ، الناس يخرجون إلى المصليات بخوف، وكأنهم يسيرون فوق حقل ألغام، يلتفتون خلفهم أكثر مما ينظرون أمامهم، يخافون أن تخطفهم مليشيا لا تعرف لله حرمة ولا للعيد قدسية
هناك…
التكبير يخرج مبحوحًا من الحناجر، والدعاء على الأوباش يُقال سرًا، لأن الجهر بالحقيقة قد يكلف الإنسان حياته،
هناك أم تبكي ابنها الذي قتلته رصاصة غادرة داخل منزله، وطفل ينتظر أبًا لن يعود، وأسرة كاملة ترى في طبق العدس عيدًا، لأن اللحم صار حلمًا بعيدًا في وطن كان يومًا سلة خير لا تنضب
هنا، حين تمر عربة للقوات المسلحة، ترتفع الأيدي بالتحايا، وتتعالى الزغاريد والتكبيرات، ويشعر الناس أن الوطن بخير ما دام فيه رجال يحملون أرواحهم على أكفهم دفاعًا عنه ، أما هناك، فالمشهد مختلف حد الوجع…يرى الناس الجنجويدي من كدموله حتى حذائه، فيختنقون بالقهر، يخفون غضبهم خلف الصمت، ويلعنونه في سرائرهم وهم مجبرون على احتمال قبحه اليومي ، أولئك لا يعرفون معنى الوطن، ولا قيمة العيد، ولا حرمة الإنسان ، يعرفون فقط النهب، والقتل، والإذلال، وتحويل المدن إلى خرائب والبيوت إلى مآتم
أي عيد هذا الذي يُقام تحت فوهة البندقية؟
وأي فرحة تلك التي تُسرق من أفواه الأطفال؟
لقد صنعت دويلة الشر لهذا الشعب عيدين:
عيدًا فيه الأمن والتكبير والكرامة، وعيدًا آخر فيه الخوف والجوع والدموع ، لكن رغم الألم… ما زال أهل المناطق المستباحة يؤمنون أن العيد الحقيقي ليس خروفًا ولا ثوبًا جديدًا، بل لحظة دخول القوات المسلحة إلى مدنهم مطهِّرة الأرض من دنس المليشيا، ذلك اليوم وحده سيكون عيدهم الأكبر؛ يوم تعود البيوت لأصحابها، والضحكات لأطفالها، والأذان بلا خوف، والتكبير بلا غصة.
لعن الله مليشيا لا تعرف للعيد حرمة،
لعن الله من باعوا ضمائرهم وصفقوا للخراب مقابل حفنة مال حرام، ولعن الله كل من جعل فرحة السودانيين مشروعًا مؤجلًا تحت رحمة البنادق
إني من منصتي أنظر …. حيث أقول : سيأتي العيد الذي يحتفل فيه السودان كله…لا شرق فيه يبكي، ولا غرب فيه يُستباح، ولا مدينة تنتظر الخلاص ، عيد وطن واحد، وجيش واحد، وراية واحدة لا تنكسر.



