لواء ركن (م) د. يونس محمود محمد يكتب…قمة العلمين… الأسباب والتوقعات!!
تنعقد قمة العلمين في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ القرن الإفريقي، حيث تتسارع التطورات السياسية والعسكرية، وتتداخل الأزمات الداخلية مع الصراعات الإقليمية، بصورة تجعل من الصعب الفصل بين ما يجري داخل دول المنطقة وما يدور حولها.
وتأتي القمة الرباعية التي تجمع مصر وإريتريا والسودان والصومال، في ظل تجدد القتال في شمال إثيوبيا، واتساع دائرة التوتر بين أديس أبابا وعدد من جيرانها، وفي مقدمتهم إريتريا ومصر والسودان. وقد أعلنت الرئاسة المصرية أن القمة تستهدف التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
إثيوبيا.. أزمة الداخل وضغوط الخارج
خلال الأسابيع الأخيرة تصاعدت المواجهات في إثيوبيا، ولا سيما في إقليم تيغراي والمناطق المجاورة، بعد عودة القتال بين القوات الفيدرالية وقوى معارضة تقودها جبهة تحرير شعب تيغراي، في تطور أعاد إلى الأذهان الحرب التي انتهت باتفاق بريتوريا عام ٢٠٢٢م. وتشير التقارير إلى أن المواجهات امتدت إلى مناطق من عفار، بينما تحدثت مصادر عن تحالف أوسع يضم عدداً من القوى المعارضة للحكومة المركزية.
وقد اتخذت الأزمة منحى أخطر بعد تبادل الاتهامات بين أديس أبابا وعدد من دول الجوار. فإثيوبيا اتهمت إريتريا والسودان ومصر بدعم المعارضة، بينما تنفي هذه الدول الاتهامات. وتصاعد التوتر الإثيوبي الإريتري إلى حد إغلاق إثيوبيا سفارتها في أسمرا وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، قبل أن ترد إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية.ومنع الطيران الاثيوبي من التحليق فوق الاجواء الارترية .
وتزداد حساسية الموقف بسبب قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر، وهي قضية ترى فيها أديس أبابا مسألة استراتيجية مرتبطة بكونها دولة حبيسة، بينما تنظر إليها دول الجوار باعتبارها شأناً يمس سيادتها وأمنها الإقليمي.
السودان والصومال ومصر.. هواجس مشتركة
السودان بدوره ينظر إلى التطورات الإثيوبية من زاوية أمنه القومي، خصوصاً مع استمرار حربه الداخلية وتشابك الحدود والمصالح مع إثيوبياواتهامه اثيوبيا بايواء مليشيا الدعم السريع ، وتدريبها ، والسماح باستقبال الطائرات التي تحمل مؤن القتال في قاعدة اصوصا العسكرية . أما الصومال، فيواجه هو الآخر حساسية خاصة تجاه التحركات الإثيوبية في محيطه، وما يرتبط بمسألة الوصول إلى البحر الأحمر وخليج عدن.
أما مصر، فتتعامل مع التطورات الإثيوبية من زاوية أوسع تشمل أمنها المائي وملف النيل وسد النهضة، إضافة إلى أمن البحر الأحمر واستقرار السودان والقرن الإفريقي. وقد أكدت القاهرة أخيراً رفض استخدام قضية مياه النيل لتحقيق مكاسب سياسية، وشددت على ضرورة التعامل مع القضايا المائية بصورة لا تضر بمصالح دول الحوض.
ومن هنا تبدو قمة العلمين محاولة لبناء قدر أكبر من التنسيق بين دول تتقاطع مصالحها في منع انتقال الصراع الإثيوبي إلى محيطها الإقليمي.
ماذا نتوقع من قمة العلمين؟
الأرجح أن تركز القمة على ثلاثة مسارات رئيسية: الأمن الإقليمي، وأمن البحر الأحمر، واحتواء تداعيات الصراع الإثيوبي. وقد تسعى الدول الأربع إلى تنسيق مواقفها وتبادل المعلومات، وتوجيه رسالة سياسية تؤكد رفض فرض ترتيبات جغرافية جديدة بالقوة، مع التشديد على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
.اما إنشاء حلف عسكري معلن، فيظل احتمالاً غير مؤكد حتى الآن، ولذلك فإن الأرجح أن تبدأ العملية بالتنسيق السياسي والأمني، وربما تتطور لاحقاً إلى ترتيبات أكثر اتساعاً إذا استمرت التهديدات.
السؤال الأكثر إثارة هو: هل تقود هذه التطورات إلى نهاية حكم آبي أحمد؟
صحيح أن الحكومة تواجه تحديات عسكرية وسياسية متزامنة، وأن تجدد القتال في تيغراي واتساع التحالفات المعارضة يمثلان ضغطاً كبيراً عليها، إلا أن مؤشرات وقائع الميدان ، والسيطرة العسكرية ، فضلا عن التقارير الميدانية الحديثة ، لا تؤكد فرضية سقوط الحكومة المركزية عسكريا ، وعليه، فإن مستقبل آبي أحمد سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرته على منع تحول الصراع من جبهات متفرقة إلى جبهة سياسية وعسكرية واسعة، وعلى قدرته في الوقت نفسه على إدارة علاقاته مع دول الجوار. وقد يكون السيناريو الأخطر على حكومته هو تزامن الانقسام الداخلي مع ضغط إقليمي متزايد.
أما سد النهضة، فالمسألة تتجاوز السد إلى إعادة تشكيل موازين القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ومع ذلك، فإن استمرار التوتر السياسي والعسكري بين إثيوبيا ومصر يجعل الملف المائي أكثر حساسية، ويزيد الحاجة إلى تفاهمات قانونية وسياسية مستقرة تحول دون تحويل المياه إلى أداة للصراع.
إن قمة العلمين لا تنعقد فقط لمناقشة أزمة عابرة، وإنما في مواجهة بيئة استراتيجية آخذة في التشكل على ضفتي البحر الأحمر. فإذا اتسعت الحرب الإثيوبية، واستمرت حرب السودان، وتداخلت الأزمات في الصومال وإريتريا واليمن، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها.
ومن هنا تكمن أهمية قمة العلمين: ليس في إصدار بياناتها فقط، وإنما في قدرتها على تحويل المخاوف المشتركة إلى تفاهمات أمنية وسياسية عملية، تمنع تمدد الصراعات، وتحافظ على سيادة دول المنطقة، وتحول دون فرض أمر واقع جديد بالقوة.
فالقرن الإفريقي يقف اليوم أمام مفترق طرق؛ إما أن تتقدم دوله نحو بناء منظومة إقليمية قادرة على احتواء أزماته، وإما أن تظل ساحاته المفتوحة مجالاً لتنافس القوى، فتنتقل النار من دولة إلى أخرى، حتى يصبح البحر الأحمر نفسه جزءاً من معادلة الصراع، لا مجرد ممر دولي للتجارة والملاحة.



