(شــوكة حوت) ياسر محمدمحمود البشر يكتب… سـلعلع الوهـم الجـديد
*تزخر كتب التراث العربى بنوادر طريفة لا تقف عند حدود الدعابة العابرة بل تتعداها لتكون مرآة صادقة للطبائع البشرية والتشابكات الاجتماعية ومن بين تلك الشخصيات التراثية التى جمعت بين الغزارة العلمية والدعابة الحاضرة يتجلى محدّث الكوفة الشهير سليمان بن مهران (الأعمش) الذي خُلّدت أخباره ومواقفه كعلامات فارقة في تاريخ الفكاهة والذكاء الذاتى.
حيث تدور إحدى هذه النوادر حول حادثة وقعت بين الأعمش وزوجته التى كانت من أجمل نساء الكوفة ورغم مكانته العلمية المرموقة كان الأعمش قبيح المنظر يغلب عليه جفاء الظاهر فلما وقع بينه وبين زوجته خلاف نشزت عليه وأعرضت عنه فضاقت به الحيلة ورغب فى أن تجد كلماته طريقاً إلى قلبها دون أن يُسقط هيبته بنفسه*.
*استعان الأعمش برجل أعمى فصيح اللسان يُدعى أبو البلاد ظناً منه أن الفصاحة والقدرة على المنطق قد تُغيران رأي الزوجة الغاضبة وطلب منه الأعمش أن يدخل عليها وأن يفيض فى ذكر مقامه بين الناس وما يحظى به من جلالة القدر وعلو المكانة العلمية لعلها ترضى ويهدأ نشوزها فدخل عليها أبو البلاد ومارس دوره بكل حماس فشرع يخاطب الزوجة قائلاً إن الله قد أحسن قسمك هذا شيخنا وسيدنا وعنه نأخذ ديننا وحلالنا وحرامنا كلامٌ يفيض بالمجاملة والإجلال وكان يمكن أن ينتهى عند هذا الحد بالنجاح المأمول لولا أن الفصاحة حين تُخطئ موضعها تخلق كارثة*.
*لم يكتفِ المتحدث بالثناء بل أضاف بغير وعى لا يغرك عموشة عينيه ولا خموشة ساقيه وهنا تحولت المحاولة السامية لترقيع الصورة إلى تشريح علنى للعيوب الظاهرة فبدلاً من أن يستر المدافع ما استتر سلّط الضوء بدقة متناهية على المساوئ الجسدية التى كانت الزوجة ربما تلتف عنها أو تتغاضى عنها كانت ردة فعل الأعمش سريعة وحاسمة حيث غضب وصاح بوجه ناصحه المفترض أعمى الله قلبك قد بَصَّرْتها بعيوبى كلها أخرج من بيتى ليتكشف له وللحاضرين أن بعض المدافعين يضرون من حيث يريدون النفع وأن قناع الفصاحة قد يخفي تحته جهلاً عميقاً بمقتضيات الحال وبلاغة المقال*.
*إن هذه الواقعة الطريفة لا تنتهى عند حدود بيت الأعمش فى الكوفة بل تمتد ظلالها لتسقط بوضوح على الواقع السياسى الثقيل الذي نعيشه اليوم فنحن نرى فى المشهد المعاصر نماذج مكررة من أبو البلاد أولئك الناطقين والمدافعين والمحللين الذين يُكلفون بالدفاع عن شؤون السياسة وسياسات أولياء الأمور.
ويتصدر هؤلاء المدافعون الشاشات والمنصات ليردوا عن المسؤولين والولاة أسباب القصور والضعف لكنهم من حيث لا يشعرون يمارسون نفس خطأ أبو البلاد يخرج أحدهم برداء التبرير والفصاحة ليبرر الفشل الاقتصادى أو التخبط السياسى فيقول إن الوالى صابر ورغم القلة والضعف وعدم القدرة على اتخاذ القرار الحاسم، فهو يجاهد فيكشفون العورة بدلاً من سترها*.
نـــــــــــــص شــــــــــــوكة
*يظن هؤلاء أنهم يضيفون هالة من الرضا والصبر الجميل على أولياء أمورهم بينما هم يُعرّون تقصيرهم أمام الرعية ويبصرون الشعوب بعيوب وإخفاقات ربما كانت غائبة عن أذهان العامة يدافعون بالضعف وقلة الحيلة فيتحول خطاب الرعاية إلى اعتراف صريح بالقصور والعجز عن إدارة الأزمات*.
ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة
*وهكذا يجد الرؤساء والولاة أنفسهم كما وجد الأعمش نفسه ضحية لمدافعين جُهّال يمارسون السذاجة السياسية غير أن الفرق بين الماضى والحاضر أن الأعمش امتلك الشجاعة وطرَد أبا البلاد من بيته فوراً بينما يواصل بعض ولاة أمور اليوم الاستماع لهؤلاء النصحاء المقنعين وتكرار نفس الأخطاء على مرأى ومسمع من الشارع*
yassir. mahmoud71@gmail.com



