(شــــــــــــوكة حـــــــــــوت) ياسر محمدمحمود البشر يكتب… صمت المنابر وأوجاع الشارع!!!
*لم يكن المنبر عبر التاريخ الإسلامى مجرد خشبة مرتفعة يُصعد عليها لأداء طقس أسبوعى بل كان منصة التوجيه الأولى وبوصلة المجتمع التى تشير إلى مكامن الخلل والتغییر لقد أُسس المنبر ليكون صوت الحق الذى يترجم آلام الناس ويلامس واقعهم المعيش ويضع النقاط على الحروف فى أوقات الأزمات والفتن مستمدًا قوته من أمانة الكلمة ومسؤوليتها أمام الله والشعب غير أن المتابع لواقع المنابر اليوم فى السودان يلمس بوضوح حالة من الانفصال التام عن الشارع إذ تحولت معظم خطب الجمعة إلى نصوص معلبة ومكررة تُلقى بنبرة رتيبة وتتكرر فيها الموضوعات ذاتها منذ عقود دون أن تجرؤ على ملامسة القضايا المباشرة التى تطحن المواطن في يوميات معاناته وكأن الإمام يعيش في كوكب آخر غير الذى يكتوى بناره المصلون خلفه*.
*يدخل المواطن إلى المسجد محملاً بآلام الغلاء وضيق العيش وقلق المستقبل ليفاجأ بخطبة تتحدث عن قضايا نائية أو موضوعات إنشائية لا تسمن ولا تغنى من جوع هذا الفراغ الإرشادى جعل المنبر يفقد ديمومته وتأثيره الحيوى وحوّله من أداة إصلاح وتوجيه مجتمعى إلى مجرد واجهة دينية تبتعد كل البعد عن هموم البسطاء وأوجاعهم المتفاقمة إن أولى القضايا التي سكت عنها المنبر هى موجة الانفلات غير المسبوق في الأسعار وجشع بعض التجار الذين يستغلون حاجة الناس بلا رقيب ولا حسيب كان الأحرى بالمنبر أن يكون السوط الذى يقرع ضمائر المحتكرين والمغالين وأن يذكرهم بحرمة أكل أموال الناس بالباطل بدلاً من التغاضى عن هذه الفوضى التى جعلت اللقمة الطيبة حلمًا يصعب نيله لغالبية الأسر السودانية*.
*ولم يتوقف هذا الصمت عند حدود الأسواق التقليدية بل امتد ليشمل المؤسسات المالية حيث تغفل المنابر عن مناقشة المعاملات الربوية التى تمارسها بعض المصارف والبنوك تحت مسميات مقننة وأغطية شرعية صورية إن الركود الاقتصادى والفساد المالى المشرعن كان يستوجب مواجهة صريحة تسلط الضوء على آثاره المدمِرة على الاقتصاد الوطنى وعلى بركة أرزاق العباد كذلك غاب دور المنبر في تقويم المعاملات التجارية بين التجار أنفسهم والتى باتت تشهد تراجعاً أخلاقياً حاداً عبر نكث العهود والمماطلة في أداء الحقوق والتطفيف والتعامل بالربا والخداع إن إصلاح السوق يبدأ من التذكير بالقيم الإيمانية والضمير الحى وهو دور أصيل للمنبر عجز عن القيام به بعدما آثر السلامة والابتعاد عن مواجهة الآفات السلوكية الاقتصادية في المجتمع*.
*والأدهى من ذلك كله هو عجز المنبر التاريخى عن ممارسة وظيفته الأسمى في نصيحة الحاكم والوقوف في وجه السلطة لتذكيرها بمسؤولياتها القانونية والأخلاقية لقد كان الخطباء قديماً يقفون بصلابة أمام ولاة الأمر أما اليوم فقد اختفت كلمة الحق الجريئة التى تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار سياسى أو أمنى وساد الصمت فى وقت تحتاج فيه البلاد إلى من يصرخ بالحق لم نجد إمام مسجد يملك الجرأة ليرفع صوته من على المنبر موجهاً الحديث لمؤسسة الحكم ولرئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ليقول له بعبارة الصحابة الخالدة يا برهان لا خير فينا إن لم نقل لك كلمة الحق ولا خير فيك لنا إن لم تسمعها منا لقد غاب هذا الصوت الناصح الذى يحث القيادة بوضوح على فرض هيبة الدولة وحماية أمن المواطنين ووقف العبث الشامل الذى يعصف بالبلاد وغياب هذا الخطاب الجرىء شجع على استمرار الفوضى وتفكك مؤسسات الدولة وجعل الشارع يئن تحت وطأة غلاء الأسعار كان ينبغي للمنبر أن يكون قوة ضاغطة تتصدى للعبث بالمقدرات الوطنية وتطالب بالحسم والعدالة وتذكر أصحاب القرار بأن الملك أمانة وأن التفرط فى أمن البلاد والعباد خيانة للميثاق الذى تحمّلوه أمام الله والشعب*.
نـــــــــــــص شــــــــــــوكة
*إن استعادة المنبر لدوره الريادى والحقيقى ليست رفاهية فكرية بل هى ضرورة وطنية وأخلاقية ملحة يجب أن يتحرر المنبر من الخطب المعلبة ويستعيد شجاعته فى التعبير عن قضايا المواطن ونقد الانحرافات الاقتصادية ومواجهة الحكام بالحق فبدون منبر حى ومؤثر سيبقى المجتمع بلا بوصلة توجيه وستظل الدولة غارقة في أزماتها دون ناصح أمين يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار*.
ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة
*إذا كان الدين النصيحة فإن المنابر تقاعست عن القيام بدورها المأمول وتحول الأئمة الى قراء عرضحالات أسبوعية*.
yassir.mahmoud71@gmail.com



