مقالات الظهيرة

رحمة الله بأهل السودان: نافذة نور بعد عتمة المسخ السياسي

بقلم / د. إسماعيل الحكيم :

حين يتأمل الناظر في صفحات التاريخ الكبرى، يدرك أن الأمم لا تموت بمجرد العثرات، ولكن بالانصياع لطغيان النماذج المصطنعة التي تفارق جوهر الهوية وروح الوجدان الشعبي.

وفي ميزان الأقدار الإلهية، رُب محنة تخفي في طياتها منحة ربانية جليلة، ولعل أعظم أشكال اللطف الإلهي بأهل السودان تمثل في جلاء وانحسار حقبة تجلت فيها أبشع صور التغريب السياسي، ممثلة في تلك التجربة التي تقمّصت اسم “قحت”؛ فكانت على اسم السودان وأهله قحطاً عارماً، وغيثاً من الأزمات المتلاحقة التي أصابت النواظم الأخلاقية والسياسية والفكرية في مقتل.

لم تكن التجربة المذكورة تبايناً في البرامج الحكومية مجرداً ، وإنما كانت انقطاعاً جذرياً عن القيم المؤسسة للوجدان السوداني، حيث توافرت فيها شروط الفشل المركب؛ إذ توالت الشواهد لتكشف عن عورات أداء إداري وسياسي أفرغ المؤسسات من الكفاءات الوطنية، ورهن القرار الوطني لأجندات لا تمت لواقع البلاد بصلة.

وتعمدت السياسات تضييق الخناق على معاش الناس، متحولة من أداة لخدمة المجتمع إلى مصدر دائم للعذاب والتعسف والإنهاك المبرمج، عاجزة عن قراءة المزاج الشعبي العام، وممارِسة تعصباً أعمى ضد الهوية الدينية والثقافية الجامعة، وحاربت مقدسات المجتمع في رموزه وحفظة كتابه، حتى كان رصيدها من شأن بناء الدولة وخدمة المواطن صفراً مكعباً.

ولعل أبلغ دلالة على هشاشة الفكر وضعف البناء المعرفي لتلك المجموعات، ما تظهره الشواهد من جهل مطبق بأبسط أبجديات الثقافة الإسلامية والعربية. وحين يُفتتح محفل رسمي بآيات الذكر الحكيم، ثم ينبري أحدهم لاقتباس النص القرآني محرفاً بالقول: “وإن نجحوا للسلم فاجنح لها”، فإننا لا نكون أمام زلة لسان أوسقطة سهو ، إنما أمام قطيعة معرفية عميقة مع النص الإلهي.

فالفرق بين نجحوا وجنحوا ليس اختلافاً في حرف أو مبنى، بل هو بون شاسع بين دلالات النجاح الدنيوي أو الخطأ اللغوي الفادح، وبين المعنى القرآني البليغ في الميل والانحياز إلى السلم بوعي واقتدار في قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، وهذا الخلط المفضوح يختزل حجم التسطيح المعرفي الذي قاد سفينة البلاد في تلك المرحلة المظلمة.

إن التباين بين الشعب السوداني بطبيعته المجبولة على التدين السمح، والأصالة، والتكافل، وبين هذا النموذج المستغرب، هو تباين بين النقاء والتزييف. ولقد أثبت التاريخ أن كره السودانيين لتلك الممارسات لم يكن وليد عاطفة عابرة، ولكنه استجابة طبيعية لجهاز غريب جسم على صدر الأمة، فحارب مقدساتها، وتنكّر لعلماء أجيالها وحفظة كتابها، ثم رضي أن يكون مخلباً لتقويض بنيان الدولة واستقرارها.

وإن زوال تلك الغمة يعد بحق آية من آيات اللطف الإلهي ببلاد العُرف والحضارة، ليعود السودان إلى سيرته الأولى، مستلساً من تاريخه المجيد مناعة تحميه من تكرار تجارب “القحط” الشامل، ومؤكداً أن الأمة التي تحفظ هويتها لا تموت مهما اشتدت عواصف التغريب والوهن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى