د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… حماية المنتج المحلي… لا تكون من جيب المواطن!من يحمي المزارع من ارتفاع تكلفة الإنتاج، ومن يحمي المستهلك من الغلاء؟

القرارات الأخيرة التي اتخذها رئيس مجلس السيادة بشأن إلغاء حظر بعض السلع الغذائية فتحت الباب أمام تداعيات إيجابية في الأسواق، وأعادت طرح قضية جوهرية تتعلق بالأمن الغذائي، وحماية المنتج المحلي، وحق المواطن في الحصول على الغذاء بالسعر المناسب.
وفي المقابل، ارتفعت أصوات تتباكى على المنتج المحلي والمزارعين، وتحذر من أن دخول السلع المستوردة بأسعار أقل قد يدفع المزارع السوداني إلى التوقف عن الإنتاج، بعد أن يجد نفسه عاجزًا عن منافسة منتجات مستوردة تصل إلى الأسواق بأسعار أقل من تكلفة إنتاج نظيرتها محليًا.
ونحن نتفهم مخاوف المزارعين، ونقف مع حقهم في الإنتاج وتحقيق عائد مجزٍ، ولكن يبقى السؤال الذي لا ينبغي الهروب منه:
من المستهدف من الإنتاج المحلي؟ المزارع أم المستهلك؟
والسؤال الآخر الأكثر أهمية: لماذا تكون السلعة المستوردة أقل سعرًا، رغم تكاليف الشحن والنقل والتأمين من بلد المنشأ إلى السودان؟
هنا يكمن المحك الحقيقي، وهنا تبدأ مسؤولية الدولة التي لا يجوز أن تتنصل منها.
ماذا قدمت الجهات الرسمية للمزارع السوداني حتى تخفض تكلفة إنتاجه؟ ماذا فعلت في أسعار الوقود والكهرباء والأسمدة والتقاوي والمبيدات والآليات الزراعية؟ وماذا وفرت من وسائل النقل والتخزين والتبريد والطاقة اللازمة لتقليل الفاقد وحفظ المحاصيل؟
هل وفرت التمويل الميسر في الوقت المناسب؟ وهل هيأت البنية التحتية التي تجعل الإنتاج المحلي قادرًا على المنافسة؟
أم أنها تريد من المزارع أن يتحمل وحده كل هذه الأعباء، ثم تطلب من المواطن أن يشتري محصوله بسعر مرتفع حمايةً له من المنافسة؟
إن حماية المنتج المحلي لا تعني تحميل المستهلك فاتورة إخفاق السياسات الإنتاجية.
خلال أسبوع واحد فقط، شهدت الأسواق تراجعًا في الأسعار، وفق ما لاحظه المواطنون، بمجرد صدور قرار إلغاء الحظر وتوقع التجار وصول السلع المستوردة إلى الأسواق.
وهذه الاستجابة، إن تأكدت بياناتها واتسع نطاقها، تستحق أن تتوقف أمامها الجهات المسؤولة؛ لأنها تكشف أهمية المنافسة في كبح جماح الأسعار وتخفيف الأعباء عن الأسر التي أنهكها الغلاء.
فالمواطن لا يبحث عن جنسية السلعة، بقدر ما يبحث عن سعر يستطيع تحمله وجودة تلبي احتياجاته. وإذا تساوت الجودة والسلامة، فمن الطبيعي أن يتجه إلى السلعة الأقل سعرًا، خاصة حين تكون ميزانيته قد استنزفتها تكاليف الغذاء والدواء والمواصلات.
ولذلك، فإن المطلوب ليس فتح الأسواق بلا ضوابط، ولا إغراق البلاد بالواردات على حساب المزارع الوطني، وإنما تحقيق معادلة عادلة تحفظ حق المنتج في المنافسة، وحق المستهلك في الغذاء بأسعار معقولة.
كيف يتحقق ذلك؟
أولًا، أن تعمل الدولة بجدية على خفض تكلفة الإنتاج الزراعي، بتوفير الوقود والطاقة والأسمدة والتقاوي والتمويل والآليات بأسعار مناسبة.
ثانيًا، أن تستثمر في النقل والتخزين والتبريد والتصنيع الزراعي، حتى لا يضيع جهد المزارع بين ارتفاع تكاليف الترحيل وفاقد المحاصيل وضعف التسويق.
ثالثًا، أن تراجع السياسات والرسوم والجبايات التي تزيد تكلفة الإنتاج، وأن تكافح الاحتكار والممارسات التي ترفع الأسعار دون مبرر.
رابعًا، أن تكون حماية المنتج المحلي محددة ومدروسة، تستند إلى بيانات حقيقية عن تكلفة الإنتاج والأسعار والجودة، لا إلى قرارات تمنح المنتج المحلي حصانة دائمة من المنافسة.
وخامسًا، أن تضع الدولة مؤشرات واضحة لقياس نجاح سياساتها: انخفاض تكلفة الإنتاج، وزيادة المساحات المزروعة، وتحسن دخل المزارع، وتراجع أسعار الغذاء على المستهلك.
عندها فقط يستطيع المنتج المحلي أن ينافس المستورد، بل ويتفوق عليه، ويزيحه من السوق بقدرته على تقديم سلعة جيدة بسعر مناسب، لا بقرار إداري يمنع المنافسين.
إن المزارع السوداني يستحق الدعم، ولكن دعمه الحقيقي لا يكون بإفقار المواطن، وإنما بإزالة العقبات التي تقف في طريق إنتاجه.
احموا المزارع بخفض تكلفة إنتاجه، واحموا المستهلك من الغلاء، واتركوا المنافسة العادلة تحكم السوق.
فهل تدرك الجهات المسؤولة أن حماية الإنتاج تبدأ من الحقل، لا من رفوف الأسواق؟ وهل من معتبر؟



