د. عادل أحمد إبراهيم يكتب… سردية الكيزان التي صارت هوسا لدى النخب السودانية!!

تحول “هوس الكيزان” في كثير من الأحيان لدى بعض النخب السياسية إلى شماعة أو تفسير جاهز لكل إخفاقات مرحلة الانتقال السياسي والتردي الأمني والاقتصادي، دون تقديم معالجات جذرية لهياكل الدولة العميقة.
فالخروج من معضلة “الهوس الكيزاني” (أو الاستغراق المفرط في ردود الأفعال تجاه تنظيم الإخوان المسلمين/النظام السابق في السودان) يتطلب الانتقال من عقلية “المعركة السياسية المستمرة” إلى عقلية بناء الدولة والمؤسسات. هذا الهوس غالباً ما يحصر النقاش العام في خانة الاتهامات المتبادلة، مما يعطل التنمية ويعيق التوافق الوطني، فلزاما علينا أن نبين الاتي:-
1/ الانتقال من “تصفية الحسابات” إلى “دولة القانون”
2/ التركيز على المشاريع والبرامج بدلاً من الأشخاص
عند طرح البدائل التنموية للخروج من الأزمة والتي تكمن في تقديم لبرامج اقتصادية، سياسية، وتعليمية واضحة وقابلة للتطبيق، بدلاً من جعل “مناهضة الكيزان” هي البرنامج الوحيد.
3/ بناء هوية وطنية جامعة
تتجاوز الاستقطاب الثنائي والتي تتمثل في تفكيك خطاب “نحن وهم” الذي يقسم المجتمع، فالهوية الوطنية يجب أن تستوعب جميع المواطنين تحت مظلة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.
ان إدارة حوار حقيقي يضع القواعد الأساسية لكيفية حكم السودان، وليس من يحكمه، والاتفاق على ثوابت وطنية لا تتغير بتغير الحكومات.
4/ تحصين الوعي العام والإعلام
ويتطلب عقلنة الخطاب الإعلامي في الابتعاد عن لغة الشيطنة والتخوين المستمر في وسائل الإعلام والوسائط الاجتماعية، والتركيز على نقاش القضايا الحيوية مثل معاش الناس، الأمن، والتعليم.
كما أن التفكير النقدي يقوم على تشجيع المجتمع على نقد الأفكار والممارسات (من أي جهة كانت) بدلاً من الانجرار وراء فوبيا المسميات واللافتات السياسية.
5/ إصلاح الخدمة المدنية والمؤسسات
من (الجيش، الشرطة، القضاء، الخدمة المدنية) على أسس قومية ومهنية صلبة تمنع تمكين أي فصيل سياسي في المستقبل، وتنهي إرث التمكين القديم دون الوقوع في فخ “تمكين مضاد
يقول وكيل المخابرات المصرية السابق اللواء حاتم باشات ..
على كل من يظن نفسه متابعاً للسياسة في السودان أن يستوعب حقيقة بسيطة ولكنها صلبة كالصخر، الدولة السودانية القائمة اليوم ليست صفحة بيضاء يمكن أن يُعاد رسمها وفق أهواء النخب المجلوبة من الخارج. هذه الدولة هي الامتداد الطبيعي لاتحاد السلطنة الزرقاء وسلطنة دارفور؛ كيانان قاما منذ قرون على شرعية إسلامية أعمق جذوراً من كل الأيديولوجيات المستوردة التي ظهرت لاحقاً.
واضاف لهذا فإن الحراك السياسي الإسلامي في السودان ليس “تنظيماً” يمكن تفكيكه ولا “ظاهرة” يمكن القضاء عليها. إنه جزء من تكوين الدولة ذاتها، سابق للإخوان المسلمين بثلاثة قرون كاملة، وأكثر تطوراً منهم ومن كل الحركات الليبرالية والعلمانية في المنطقة، التي ما تزال حتى يومنا هذا تتعثر بين شعارات مترجمة ومشاريع بلا حواضن اجتماعية.
واشار الى إن من يحلمون باقتلاع الإسلام السياسي من السودان يكررون خطأ ملوك قشتالة في أواخر الأندلس، مع فارق واحد قاتل: الأندلس لم تُنتج مزيجاً بشرياً وثقافياً كما فعل السودان. هنا اختلطت الثقافة الإسلامية بالدم، بالعشيرة، بالعادات، باللغة، بالوجدان الشعبي. أي محاولة لاقتلاع هذا الوجود ليست “مشروع إصلاح” بل مشروع اقتلاع للمجتمع نفسه.
وقال لذلك، فكل خطابات “الاستئصال” التي يتبناها بعض النشطاء الحداثيين ليست سوى وهم سياسي يقوم على تجاهل التاريخ والجغرافيا والتركيبة الاجتماعية. السودان لم يكن يوماً دولة علمانية فارغة تُحشى بالأفكار عند الطلب. إنه بنية حضارية لها ذاكرة ممتدة، وشرعية دينية وشعبية تسبق وجود هؤلاء جميعاً.
من أراد إصلاحاً سياسياً، فليشتبك مع هذه الحقيقة. أما من يريد محوها، فهؤلاء إنما يقاتلون التاريخ.. والتاريخ لا يُهزم. اخيراً
إن العبارة التي اقتبستها للدكتور منصور خالد من كتابه «حوار مع الصفوة» تضع يدها على واحدة من أهم أطروحاته الفكرية والسياسية، وهي أزمة النخبة السودانية (أو ما أسماه لاحقاً بـ “إدمان الفشل”) لذا علينا أن نفارق سردية الكيزان التي صارت هوساً وملهاة!! فاغرقتنا
ولبست ثوب التاريخ لتخدم غرضاً سياسياً انياً.
د.عادل أحمد إبراهيم
داناكوم للخدمات الإعلامية
الخرطوم-لندن



