مقالات الظهيرة

د. إسماعيل الحكيم يكتب… مَن يُقامر بإشعال النار في دار الجار: ارتداد اللهب إلى الجدار الأخير

تتجاوز الحرب الماثلة في السودان أطر النزاعات التقليدية لتغدو مخبراً مفتوحاً لتجفيف ينابيع البقاء وإعادة هندسة الجغرافيا الإنسانية عبر التدمير المنهجي للمقومات الحيوية، ويأتي التحول الأخير المتمثل في استهداف محطات توليد ونقل الطاقة الكهربائية بطائرات مسيرة تنطلق من الأراضي الإثيوبية ليُدشن مرحلة بالغة الخطورة تتداخل فيها الحسابات الجيوسياسة الإقليمية مع مآلات الأمن القومي الإنساني وسط صمت دولي مريب يطرح علامات استفهام كبرى حول معايير العدالة الدولية والقانون الإنساني؛ إذ إن استهداف البنى التحتية للطاقة لا يعتبر عملاً عسكرياً عشوائياً، لكنه سلاح دمار شامل بطيء الحركة يستهدف شل القطاع الصحي وإحداث شلل تام في الأمن الغذائي والأسواق، مما يعكس رغبة مكشوفة في إنهاك الحاضنة الاجتماعية ودفع المواطن قسراً إلى خيارات النزوح والهجرة القسرية خدمة لأجندات ديموغرافية طويلة الأمد.

 

ومن منظور العلاقات الدولية ومنطق المصالح المتبادلة، تشكل إثيوبيا والسودان دولتي مصب ومنبع تشتبكان في أواصر تاريخية وجغرافية أزلية، غير أن السماح بانطلاق مسيرات معادية من الأراضي الإثيوبية يمثل انزلاقاً خطيراً في الدبلوماسية الإقليمية ومخاطرة غير محسوبة بالمستقبل الاستراتيجي؛ فأديس أبابا التي تخوض صراعاتها المعقدة تبدو كمن يراهن على الحصان الخاسر على المدى البعيد، لأن استقرار السودان وسلامة بنيته التحتية هما الضمانة الحقيقية لأمن القرن الإفريقي بأسره، وإن رهانات بعض الأطراف على جني مكاسب آنية عبر الاستنزاف المستمر للدولة السودانية هي رهانات قاصرة النظر لن تلبث أن ترتد ناراً تحرق الجميع، خصوصاً في ظل ما يولده تعطيل الخدمات من اقتصاد حرب خفي يغذّي شبكات التهريب ومافيات السلاح ويحول السيادة الاقتصادية إلى رهينة لشروط الجهات المانحة. وإزاء تقاعس المنظمات الدولية عن إدانة هذه الانتهاكات الصريحة التي تحول المنشآت المدنية إلى أهداف عسكرية عبر الحدود،ة.

يتكشف بوضوح حجم الانتقائية في تطبيق المعايير، غير أن رهان المعتدين على كسر إرادة الشعب السوداني يظل خاسراً تاريخياً، فالدول تُصنع إرادتها في أتون المحن، والدرس الأبلغ الذي يجب أن يُستوعب إقليمياً ودولياً هو أن استقرار السودان ركن شديد في بنية الأمن الإقليمي ومن يقامر بإشعال النار في دار الجار لن تنعزل نيرانه عن جداره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى