مقالات الظهيرة

د. إسماعيل الحكيم يكتب… منطق التدرج وألم الفوضى: الإعلان عن وظيفة «وكيل وزارة»

إن في أعراف الإدارة العامة وتاريخ الخدمة المدنية، لم تكن وظيفة وكيل الوزارة يوماً منصباً تنفيذياً أُلقي عليه الضوء فجأة، إنما هي سنام القوس في هيكل الدولة، والنقطة التي تلتقي عندها السياسة بالمهنية.

هي وظيفة تراتيبية صارمة؛ تبدأ من مدخل الخدمة، وتتسلق درجات السلم الإداري دريئةً بدريئة، مارةً بالدرجات الوسطى، ومستندةً إلى خبرات تراكمية وشبكة معقدة من الفهم العميق لإنفاذ اللوائح والنظم، والدراية التامة بخصائص المؤسسة وبيئتها البشرية. إنها ذاكرة الوزارة وشريانها الدائم الذي لا يتأثر بتغير التشكيلات الوزارية أو المتقلبات السياسية.

من هنا، تثير محاولات تحويل هذه الوظيفة التدرجية التراكمية إلى وظيفة تعاقدية تنافسية ذات أمد محدد جدلاً عميقاً في أروقة الفكر الإداري والممارسة المهنية.

ظاهرياً، تتشح هذه الخطوة برداء براق وثوب عشيب ؛ إذ تُقدّم للشارع وللرأي العام باعتبارها تكريساً لمبادئ الحوكمة والعدالة وتكافؤ الفرص، وفتحاً لأبواب التنافس المفتوح أمام الكفاءات من خارج وداخل الجسد الحكومي. غير أن التناول الموضوعي يُوجب الغوص وراء هذا الغلاف البراق لاستكشاف الأبعاد الأخرى لهذه الفكرة.

فمن الناحية الإدارية، يُخشى أن يؤدي التعاقد الزمني الخارجي في وظائف الإدارة العليا إلى بَتْرِ السلسلة التراتيبية، وإحباط الكوادر التي أفنت عقوداً في التدرج والتعلم الرأسي، مما يفرغ الخدمة المدنية من نظام الحوافز المعنوي القائم على الاستقرار والترقي. كما أن الوكيل القادم من خارج الرحم المؤسسي، ومهما بلغت كفاءته النظرية، سيحتاج وقتاً ليس بالقليل لفك شفرات الثقافة المؤسسية واللوائح الحاكمة، في حين أن طبيعة المنصب تتطلب حسماً فورياً ومعرفة دقيقة بتفاصيل التفاصيل.

ولعل الأهم من الجانب النظري هو اختبار التجربة الواقعية ؛ فالشارع والمراقبون يستحضرون سوابق قريبة أُعلن فيها عن وظائف قيادية رفيعة سابقة—مثل الأمين العام للحج والعمرة، والأمين العام لمجلس الصحافة والمطبوعات—حيث فتحت أبواب التنافس، وتدافع المختصون بأوراقهم وخططهم التشغيلية، لتأتي المفاجأة لاحقاً بتعيينات بدت وكأنها حُسمت قبل أن يُطرح الإعلان أصلاً!

هنا تتحول قضية الإعلان التنافسي من أداة إصلاحية إلى أزمة ثقة. فإذا كان التعيين يحمل في طياته مسارات محسومة مسبقاً أو ترتيبات توافقية غير معلنة، فما الجدوى من استهلاك الجهد وتصدير الأمل المزيّف للرأي العام وتشويه قيمة التنافس الشريف؟

إن تحويل مسابقات شغل الوظائف العامة إلى مجرد ديكور إجرائي يستهدف إضفاء الشرعية الشكلية على قرارات مسبقة، يعد أشد خطراً على جهاز الدولة من التعيين المباشر الصريح؛ لأنه يضرب قيمة الشفافية في مقتل ويُزهد الكفاءات في التقدم مستقبلاً.

إن قضية الإعلان عن وظيفة وكيل لوزارة ما تضعنا أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما أنها خطوة مخلة بخصوصية وتراتيبية الخدمة المدنية القائمة على التراكم والخبرة، وإما أنها إجراء شكلي سيصطدم بذات السيناريو القديم الذي يكرس انعدام الثقة في الإعلانات الحكومية.

إن بناء دولة المؤسسات لا يتطلب استيراد نماذج قطاع الأعمال الخاص وإسقاطها قسراً على الإدارة العامة دون مراعاة لخصوصيتها، إنما يتطلب أولاً احترام منطق التراكم الوظيفي، وثانياً—إن أُريد التنافس حقاً—إرساء قواعد نزاهة متجردة لا تجعل من الإعلان المسرحي غطاءً لقرارات كُتبت في الغرف المغلقة قبل أن تُطبع على ورقة الإعلان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى