مقالات الظهيرة

حين تصفع واشنطن الأمم المتحدة… السودان لا يقبل الوصاية!!

رؤية وطنية…. نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس

 

هناك أحداث لا يجوز أن تمر في زحام الأخبار، لأنها تحمل في داخلها سؤالاً أكبر من تفاصيلها، وتفتح أمام العالم أبواباً من الأسئلة التي لا يصح إغلاقها بالصمت.

 

ومن هذه الأحداث ما جرى مع تأشيرة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، وهو يستعد للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

 

إن المسألة، في تقديري، لم تعد مسألة تأشيرة فحسب؛ وإنما أصبحت اختباراً حقيقياً لمعنى النظام الدولي، ولحدود سلطة الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، ولحق دولة عضو في المنظمة الدولية في أن يمثلها رئيسها أمام الجمعية العامة.

 

وقد نشرت رويترز في 22 سبتمبر 2026 أن الولايات المتحدة تحجب التأشيرة، وأن مصادر سودانية ودبلوماسية وغربية ربطت ذلك بمقترح أمريكي لهدنة مدتها تسعون يوماً لم توافق عليه الخرطوم، فيما أكدت الأمم المتحدة أنها شديدة القلق بشأن عدم إصدار التأشيرة، وأنها تتواصل مع السلطات الأمريكية حول الأمر.

 

وهنا أقولها بوضوح، وهذه وجهة نظري الشخصية:

 

لا الولايات المتحدة، ولا غيرها، تملك أن تفرض على الدولة السودانية قراراً بالحرب أو وقف الحرب بوسيلة ضغط من هذا النوع.

 

السلام مطلب نبيل، والسودان لا يرفض السلام من حيث المبدأ؛ لكن السلام الذي يُكتب للسودانيين خارج السودان، ثم يُراد فرضه عليهم من وراء البحار، ليس سلاماً مكتمل الأركان، وإنما قرار سياسي ينتظر أن يتحول إلى واقع على الأرض.

 

والأمم المتحدة نفسها ليست دولة فوق الدول.

 

إنها منظمة دولية أنشأتها الدول، وعضويتها تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين أعضائها.

 

أما الولايات المتحدة، فهي دولة عضو في الأمم المتحدة، وهي في الوقت ذاته الدولة التي تستضيف مقر المنظمة في نيويورك.

 

وهنا تكمن المفارقة.

 

فإذا كان مقر المنظمة الدولية على أرض دولة مضيفة، فهل تصبح أبواب الجمعية العامة خاضعة لإرادة الدولة المضيفة كلما اختلفت مع حكومة دولة عضو؟

 

إن الوثائق الأممية نفسها تشير إلى أن اتفاقية المقر تقر للأشخاص المشمولين بالمادة 11 حقاً غير مقيد في الدخول إلى الولايات المتحدة بغرض التوجه إلى مقر الأمم المتحدة، كما دعت الجمعية العامة الدولة المضيفة إلى ضمان إصدار تأشيرات الدخول لممثلي الدول الأعضاء في الوقت المناسب.

 

وهنا لا أتحدث عن السودان وحده.

 

أتحدث عن مستقبل النظام الدولي نفسه.

 

فإذا أصبح بإمكان الدولة المضيفة أن تغلق باب الأمم المتحدة في وجه ممثل دولة عضو لأنها لا توافق على موقف حكومته، فما الذي يبقى من استقلال المنظمة الدولية؟

 

وإذا كان بإمكان واشنطن أن تجعل تأشيرة رئيس دولة عضوة رهناً بقبول مقترح سياسي، فإن السؤال يصبح أكبر من الخرطوم ونيويورك:

 

من يفرض السلام؟ ومن يملك قرار الحرب؟ ومن يملك القرار السيادي للدول؟

 

أما السودان، فله في هذه المسألة كلمة ينبغي أن تُقال بلا خوف ولا مواربة:

 

نحن نريد السلام، ولكننا لا نقبل الوصاية.

 

نريد السلام الذي يحفظ الدولة، ويصون مؤسساتها، ويحمي شعبها، ويضع السلاح غير الشرعي خارج معادلة الحكم، ويمنع إعادة إنتاج الحرب في ثوب جديد.

 

ولا يمكن أن يكون السلام ستاراً لإخفاء الجرائم والانتهاكات التي وثقتها جهات دولية وبحثية مستقلة.

 

لقد وثق مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل، عبر تحليل صور الأقمار الصناعية ومصادر مفتوحة، أدلة متعددة تتعلق بالدعم العسكري لقوات الدعم السريع، من بينها تقرير عن دعم عسكري في قاعدة أسوسا الإثيوبية، وتقارير أخرى تناولت حركة طائرات وشحنات مرتبطة بمناطق في تشاد. كما وثق المختبر، على مدى سنوات، هجمات وانتهاكات واسعة ضد المدنيين.

 

وهذه ليست رواية سودانية وحدها.

 

فإن كانت هناك اتهامات بشأن دعم خارجي، فإن الواجب الدولي ليس أن يتغاضى عنها، بل أن يحقق فيها ويحدد المسؤوليات والأطراف والطرق والجهات التي قدمت الدعم.

 

أما أن يُطلب من السودان أن يضع سلاح الدولة جانباً، بينما تستمر خطوط الإمداد والتمويل والتسليح في الخارج، فذلك ليس طريقاً مستقيماً إلى السلام.

 

السلام لا يكون بنزع يد الدولة عن الدفاع عن شعبها، وترك يد المليشيا حرة في الميدان.

 

وهنا أختلف بوضوح مع أي خطاب يحاول أن يضع القوات المسلحة السودانية والمليشيا المتمردة في كفة واحدة.

 

القوات المسلحة السودانية مؤسسة وطنية رسمية، مهمتها حماية الدولة وأرضها وشعبها وممتلكاتها وفق الإطار الدستوري والقانوني للدولة.

 

أما المليشيا التي تحمل السلاح خارج مؤسسة الدولة وتقاتل السلطة الشرعية ومؤسساتها، فلا يجوز في رأيي أن تُمنح مساواة رمزية أو قانونية مع الجيش الوطني لمجرد أن بعض القوى السياسية أو الدولية اختارت لغة دبلوماسية عامة.

 

إن الخلط بين الاثنين لا يخدم السلام، بل يطمس أصل المشكلة.

 

والأخطر من ذلك أن يتحول الضغط الدولي إلى وسيلة لمعاقبة الدولة، بينما تُترك الجرائم التي ارتكبتها المليشيا وحلفاؤها الخارجيون في الظلام.

 

لقد وثقت جامعة ييل نفسها، استناداً إلى الأدلة التي جمعتها، انتهاكات واسعة ارتبطت بقوات الدعم السريع، كما استند تقرير أممي صدر في 2026 إلى أدلة من مختبر ييل في توثيق الجرائم التي وقعت في الفاشر.

 

فلماذا لا يكون السؤال الدولي الأول:

 

من سلّح؟ ومن موّل؟ ومن نقل السلاح والمرتزقة؟ ومن فتح الممرات؟

 

لماذا يصبح الضغط على الدولة السودانية هو الطريق الأسهل، بينما تظل شبكات الإمداد الخارجي موضع جدل طويل؟

 

إنني، من موقعي ككاتب سوداني، أرى أن السودان يجب ألا يقبل أن تتحول أزمته إلى ورقة في يد أي قوة دولية.

 

لا واشنطن وحدها، ولا غيرها.

 

السودان دولة لها سيادتها، وشعبها صاحب الحق الأول في تقرير مستقبلها.

 

أما الفريق أول عبدالفتاح البرهان، فأقول له:

 

لا تجعل التأشيرة أكبر من السودان.

 

إن فُتح باب نيويورك، فاذهب ممثلاً لبلدك، واقفاً على أرض وطنك المعنوية، لا مستأذناً في حقك.

 

وإن أُغلق الباب، فليعلم العالم أن السودان لا يُغلق معه.

 

فوراءك شعب عانى الجوع والنزوح واللجوء وفقدان الأمن، ومع ذلك ظل يرى في جيشه عنواناً للدولة، ويرفع في أصعب أيامه نشيداً تختصر كلماته كثيراً من المعاني:

 

جيش واحد… شعب واحد.

 

وهذه ليست دعوة لإلغاء الرأي الآخر، ولا لإنكار حق السودانيين في الاختلاف، وإنما هي حقيقة سياسية واجتماعية ينبغي أن يراها العالم: أن قطاعات واسعة من الشعب السوداني ترى في القوات المسلحة المؤسسة التي تمثل بقاء الدولة في مواجهة المليشيا.

 

أما من اختار أن يستقوي بالخارج على وطنه، فليدرك أن الخارج لا يمنح أحداً وطناً.

 

والتاريخ السوداني يعرف هذه الحقيقة منذ القدم:

 

من يستظل بالقوى الأجنبية قد يجد لها ظلاً ساعة، لكنه قد يكتشف أن الظل لا يصبح وطناً.

 

ومن هنا أقول للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وللإدارة الأمريكية، وللعالم كله:

 

السودان ليس ولاية أمريكية.

 

ولا يملك أحد أن يكتب للسودانيين ما يجب أن يفعلوه ثم يطلب منهم التوقيع عليه تحت ضغط التأشيرة أو العقوبات أو العزلة.

 

إن كنتم تريدون السلام حقاً، فاضغطوا على كل من يحمل السلاح خارج الدولة، وافتحوا ملفات التمويل والتسليح والإمداد، وحققوا في الانتهاكات، ودعوا السودانيين يقررون شكل دولتهم ومستقبلها.

 

أما أن تُستخدم الأمم المتحدة ومنبرها الدولي وسيلةً للضغط على دولة عضو، فذلك ـ في رأيي ـ يضعف المنظمة التي يفترض أن تكون حكماً دولياً لا أداةً في يد دولة واحدة.

 

لقد كان يفترض أن تكون نيويورك مكاناً تلتقي فيه الدول تحت سقف واحد.

 

فإذا أصبحت أبوابها تُفتح وتُغلق وفق ميزان القوة السياسية، فإن الصفعة لا تقع على السودان وحده.

 

إنها تقع على هيبة الأمم المتحدة نفسها.

 

ولذلك فإنني لا أرى في أزمة التأشيرة سبباً لانكسار السودان، بل أراها مناسبة لكي يرفع السودان صوته قائلاً:

 

نحن نريد السلام… ولكننا نريد سلاماً سودانياً.

 

نريد الحوار… ولكن لا نريد وصاية.

 

نريد المجتمع الدولي… ولكننا لا نريد أن يحل المجتمع الدولي محل الشعب السوداني.

 

وللذين يظنون أن السودان يمكن أن يُعزل بإغلاق باب أو منع تأشيرة نقول:

 

قد تُغلقون باب نيويورك، ولكنكم لن تستطيعوا إغلاق أبواب السودان في وجه تاريخه.

 

وقد تحجبون التأشيرة، ولكنكم لن تحجبوا إرادة شعب.

 

وقد تضغطون على القيادة، ولكنكم لن تستطيعوا إلغاء دولة عمرها أقدم من كثير من خرائط السياسة الحديثة.

 

فالسودان ليس تأشيرة.

 

والجيش ليس شخصاً.

 

والشعب ليس ورقة تفاوض.

 

والكرامة الوطنية لا تُمنح بختم دخول، ولا تُسحب بختم رفض.

 

اللهم احفظ السودان، واحفظ جيشه وشعبه، ورد إلى وطننا أمنه وعافيته، واجمع أهله على كلمة سواء، وأرنا في وطننا أياماً يعود فيها النازح إلى داره، واللاجئ إلى أهله، والطفل إلى مدرسته، والمزارع إلى حقله، ويعلو فيها صوت البناء فوق صوت الرصاص.

 

رؤية وطنية

نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

#أمريكا_تبتز_السودان

#USBlackmailsSudan

#أمريكا_تبتز_السودان

#USBlackmailsSudan

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى