المجاهد محمد زياده الطيب يكتب… فلنكن صريحين.. هل أنصفنا المعلّم؟!!!!

أيُّ تكريمٍ هذا الذي نمنحه للمعلّم في يومه، ثم نستردّه منه في بقية العام؟
أيُّ وفاءٍ لرسالته أن نرفع صوره في الاحتفالات، بينما نخفض من قيمة مهنته في الواقع؟
وأيُّ احترامٍ لمن يصنع العقول، إذا كان هو نفسه يقف طويلًا أمام أبواب المطالبة بأبسط حقوقه؟
فلنكن صريحين:
المعلّم لا يريد شفقةً، ولا يحتاج إلى قصيدةٍ عاطفية تُقال له مرةً في العام.
المعلّم يريد حقه.
يريد أن يعيش بكرامة، وأن يتقاضى أجرًا عادلًا يوازي حجم المسؤولية التي يحملها، وأن يعمل في بيئة تحفظ إنسانيته ولا تستنزف طاقته، وأن يجد من التدريب والتأهيل ما يعينه على مواجهة عصرٍ يتغير كل يوم.
ويريد تقديرًا مهنيًا حقيقيًا؛ فلا تُختزل قيمته في عدد الحصص التي أداها، أو الدفاتر التي صححها، أو الساعات التي قضاها داخل الفصل.
ويريد أن يكون صوته حاضرًا حين تُصاغ السياسات التعليمية؛ فليس من المعقول أن تُرسم خرائط التعليم بعيدًا عن الذين يعيشون تفاصيله كل صباح.
وقبل كل ذلك، يريد كرامته.
فالذي يقف أمام أبنائنا لا يجوز أن يُعامل بوصفه الحلقة الأضعف في المنظومة، ولا أن تكون هيبة المدرسة محفوظة في النصوص، بينما تُهدر هيبة المعلّم في الممارسة.
ولا يجوز أن نطالبه بأن يكون قدوةً لطلابه، ثم نتركه بلا سند حين يتعرض للإساءة أو التشهير أو الانتقاص من مكانته المهنية.
المعلّم ليس موظفًا هامشيًا في منظومة التعليم؛ إنه أحد أعمدتها.
وإذا كان الطبيب يحفظ الجسد، والمهندس يبني المكان، والقاضي يحرس ميزان العدل، فإن المعلّم يعمل في منطقةٍ أعمق:
إنه يشارك في تشكيل الإنسان الذي سيصبح طبيبًا ومهندسًا وقاضيًا وصانع قرار.
فكيف نحتفي بالنجاح الذي حققه الطالب، ولا نسأل عن اليد التي قادته إليه؟
كيف نطالب المعلّم بأن يصنع جيلًا واثقًا، ونحن لا نمنحه نحن الثقة؟
نطالبه بالإبداع، ثم نغرقه في الإجراءات.
نطالبه بالتجديد، ثم نحاصره بالجمود.
نطالبه بالصبر، ثم نحمّله فوق طاقته.
نطالبه بأن يبني المستقبل، ثم نترك حاضره مثقلًا بضغط المهنة وغلاء الحياة وغموض المسار المهني.
هذه ليست مفارقات عابرة؛ إنها أسئلة العدالة نفسها.
والمشكلة ليست في أن المعلّم يعمل كثيرًا؛ فالمعلّم الحقيقي لا يخشى العمل.
المشكلة أن يتحول العطاء إلى استنزاف، والواجب إلى ذريعة لإسقاط الحق، والإخلاص إلى بابٍ مفتوح لمزيد من الأعباء.
لا تقولوا للمعلّم: أنت صاحب رسالة، ثم تستخدموا الرسالة لإقناعه بالتنازل عن حقوقه.
فالرسالة لا تلغي الحق.
والإخلاص لا يعني الاستغلال.
والتضحية لا تعني أن يُطلب من المعلّم أن يدفع وحده فاتورة إصلاح منظومة كاملة.
حين يطالب المعلّم بحقه، فهو لا يتخلى عن رسالته؛ بل يحميها.
وحين يطالب بكرامته، فهو لا يضع نفسه فوق الآخرين؛ بل يدافع عن كرامة المهنة.
وحين يطالب بأجرٍ عادل، فهو لا يجعل العلم سلعة؛ بل يطالب بحياةٍ تليق بمن يحمل رسالة العلم.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بالتعليم أن نحوّل المعلّم إلى بطلٍ يُطلب منه أن يحتمل كل شيء.
لا. المعلّم ليس بطلًا خارقًا. إنه إنسان.
له بيت، وأسرة، وحاجات، وطاقة تنفد، وطموح يحتاج إلى فرصة، وكرامة لا يجوز أن تكون موضع تفاوض، ومستقبل ينبغي أن يكون واضحًا وآمنًا.
ومن أراد معلّمًا عظيمًا، فعليه أن يبني له بيئةً عظيمة.
لا تطلبوا من المعلّم أن يصنع المعجزة، ثم تحجبوا عنه أدواتها.
لا تطلبوا منه أن يزرع الأمل، ثم تجعلوا مستقبله غامضًا.
ولا تطلبوا منه أن يعلّم أبناءنا احترام الإنسان، ثم لا تحفظوا أنتم له مكانة الإنسان.
ولا تطلبوا منه أن يكون حارسًا للمستقبل، ثم تعاملوا مع حقوقه وكأنها شأنٌ ثانوي.
إن حقوق المعلّم ليست مِنّةً من أحد.
إنها استثمارٌ في الإنسان، وحمايةٌ لمهنة، وصيانةٌ لمستقبل أمة.
وحين يحصل المعلّم على حقه، لا يكون الرابح معلّمًا واحدًا.
يربح الطالب.
وتربح المدرسة.
ويربح المجتمع.
ويربح الوطن.
أما حين يُهمّش المعلّم، ويُستنزف، ويُضعف، ويُطلب منه أن يعطي فوق طاقته، فلا تتوهموا أن الخسارة تقف عند باب المدرسة.
إنها تخرج من المدرسة إلى المجتمع كله.
ولهذا، فإن يوم المعلّم ينبغي ألا يكون مناسبةً نعدّد فيها فضائله فحسب، بل مناسبةً نسأل فيها أنفسنا بجرأة:
هل أعطيناه ما يستحق؟
فإن كانت الإجابة: لا، فلا تنفعنا القصائد، ولا الشهادات، ولا باقات الورد.
فالورد لا يسد حقًا، والتصفيق لا يصنع كرامة، والكلمات لا تصلح واقعًا.
إنما يُكرّم المعلّم حين يصبح احترامه نظامًا، وحقوقه واقعًا، ومكانته ثقافةً، وصوته جزءًا من صناعة القرار.
عندها فقط يمكن أن نقول إننا لم نحتفل بالمعلّم…
بل أنصفناه.



