مقالات الظهيرة

الصيف السوداني على صفيح ساخن: الموسم الزراعي بين مطرقة المناخ وسندان الحرب.. وهل ينجو الأمن الغذائي؟

د. محمد عوض محمد متولي

المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

بينما تتصارع البنادق على خرائط النفوذ في الخرطوم، تدور في صمت معركة أخطر على امتداد 175 مليون فدان.

إنها معركة الخبز. فالموسم الصيفي 2026م ليس موسم ذرة وسمسم، بل موسم بقاء أو فناء لـ 22 مليون سوداني يقفون على حافة المجاعة. فهل تصمد الأرض التي أطعمت أفريقيا يوماً، أم أن هذا الصيف سيكتب شهادة وفاة الأمن الغذائي السوداني؟

 

الموسم الزراعي الصيفي في السودان لم يعد مجرد دورة إنتاجية تقليدية ترتبط بهطول الأمطار ومواعيد البذر والحصاد، بل تحول إلى معادلة أمن قومي معقدة تتقاطع فيها متغيرات المناخ والجغرافيا السياسية والاقتصاد الكلي وانهيار سلاسل الإمداد، لتصبح الأرض السودانية هي خط الدفاع الأول والأخير عن بقاء ثمانية وأربعين مليون مواطن.

إن قراءة هذا الموسم بعين عام ستة وعشرين وألفين تتطلب تفكيك طبقات الأزمة والفرصة معاً، لأن ما يزرع اليوم في مشروع الجزيرة أو في القضارف أو في سهول النيل الأزرق أو في دلتا القاش أو في ضفاف النيل الأبيض، لن يحدد فقط سعر جوال الذرة في ديسمبر القادم.

بل سيحدد شكل الخريطة الاجتماعية والسياسية للسودان لعقد قادم.

إن أي تحليل منهجي للموسم الصيفي لا يمكن أن ينطلق من فراغ إحصائي، فالبيانات التراكمية للفترة من عشرين وألفين إلى خمسة وعشرين وألفين تشير إلى اتجاه تنازلي خطير في ثلاث مؤشرات مفصلية. المؤشر الأول هو تقلص المساحات المزروعة فعلياً مقارنة بالمخطط لها.

ففي موسم اثنين وعشرين وألفين بلغت نسبة التنفيذ ثمانية وستين بالمئة فقط من المساحة المستهدفة للذرة والسمسم والفول السوداني، وانخفضت في موسم أربعة وعشرين وألفين إلى واحد وأربعين بالمئة بفعل اتساع رقعة العمليات العسكرية وتدمير البنى التحتية الريفية. المؤشر الثاني هو انهيار إنتاجية الفدان الواحد.

فمتوسط إنتاجية الذرة انحدر من تسعة أعشار الطن للفدان في تسعة عشر وألفين إلى أربعة أعشار الطن في خمسة وعشرين وألفين بسبب غياب التقاوي المحسنة وانعدام التسميد وتفشي الآفات وتراجع خدمات الإرشاد الزراعي إلى الصفر. المؤشر الثالث هو اختلال معادلة التكلفة والعائد، حيث تجاوزت كلفة زراعة فدان السمسم ثلاثمئة وثمانين دولاراً في الموسم الماضي

 

بينما لم يتجاوز العائد الصافي تسعين دولاراً، مما دفع آلاف المزارعين إلى هجر الأرض طوعاً. هذا الثالوث من التقلص والإنتاجية المتدنية والخسارة المالية هو الذي يفسر لماذا أصبح السودان، سلة غذاء العالم المفترضة، يستورد خمسة وستين بالمئة من قمحه واثنين وأربعين بالمئة من زيوت الطعام رغم امتلاكه مئة وخمسة وسبعين مليون فدان صالحة للزراعة.

 

الموسم الحالي يواجه تحديات مركبة لم يشهدها السودان منذ مجاعة أربعة وثمانين وتسعمئة وألف.

التحدي الأول جيوسياسي ويتمثل في فقدان السيطرة على الممرات الآمنة للإمداد الزراعي، فطرق النقل بين مناطق الإنتاج في القضارف وسنار ومناطق الاستهلاك في الخرطوم والشمالية أصبحت محكومة بمتغيرات الميدان العسكري.

مما رفع كلفة الترحيل بنسبة ثلاثمئة بالمئة وأدى إلى تلف ثمانية وعشرين بالمئة من المحاصيل في الحقل قبل وصولها للسوق في الموسم السابق. التحدي الثاني مناخي بامتياز، فنماذج التنبؤ الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وهيئة الأرصاد السودانية تتفق على أن الحزام المطري في السودان يتحرك جنوباً بمعدل أربعة كيلومترات سنوياً، مما يعني خروج مناطق تقليدية في شمال القضارف وجنوب نهر النيل من نطاق الزراعة المطرية المضمونة.

إضافة إلى ذلك فإن ظاهرة النينو المتوقعة في يوليو ستة وعشرين وألفين تهدد بتأخير هطول الأمطار وتوزيعها بشكل عنقودي عنيف يسبب السيول في مناطق والجفاف في مناطق أخرى مجاورة. التحدي الثالث مالي وهو الأخطر، ويتمثل في الانهيار الكامل لمنظومة التمويل الزراعي، فالبنك الزراعي السوداني يعمل باثني عشر بالمئة فقط من طاقته التمويلية، وشركات القطاع الخاص أحجمت عن تمويل المزارعين لانعدام الضمانات، والمزارع نفسه فقد مدخراته بسبب التضخم الذي التهم سبعين بالمئة من القوة الشرائية للجنيه خلال عامين.

النتيجة أن الموسم الصيفي ستة وعشرين وألفين يبدأ بفجوة تمويلية تقدر بواحد وسبعة من عشرة مليار دولار، وهو مبلغ لا يمكن تغطيته من الخزينة العامة المنهكة. إن المنهج العلمي في تحليل الأزمات الزراعية يقتضي تتبع سلسلة القيمة لتحديد نقاط الاختناق. الحلقة الأولى هي المدخلات، والسودان يستورد أربعة وتسعين بالمئة من تقاويه المحسنة ومئة بالمئة من مبيداته وسبعة وثمانين بالمئة من أسمدته، وتوقف الاستيراد بسبب شح النقد الأجنبي والعقوبات يعني أن المزارع عاد لزراعة الأصناف البلدية منخفضة الإنتاجية.

الحلقة الثانية هي الميكنة، فثلاثة وسبعون بالمئة من الجرارات والحاصدات في مشروع الجزيرة متوقفة بسبب عدم توفر قطع الغيار والوقود، مما أعاد الزراعة إلى المحراث البلدي والعمالة اليدوية التي هاجرت للمدن أو للتعدين الأهلي. الحلقة الثالثة هي التخزين، فالسعة التخزينية المسقوفة في السودان لا تغطي سوى ثمانية عشر بالمئة من الإنتاج في سنوات الوفرة.

والباقي يخزن في مخازن بلدية أو في العراء، لتصل نسبة الفاقد بعد الحصاد إلى واحد وثلاثين بالمئة وهي من أعلى النسب عالمياً. الحلقة الرابعة هي التسويق، فغياب بورصة محاصيل فاعلة وسيطرة الوسطاء وتجار الشنطة على السوق تؤدي إلى أن المزارع يبيع محصوله بأقل من أربعين بالمئة من سعره النهائي للمستهلك. إن كسر أي حلقة من هذه الحلقات يعني أن الاستثمار في باقي الحلقات يذهب هدراً، وهذه هي المعضلة التي تفسر لماذا تفشل كل الخطط الإسعافية الجزئية.

 

لا يمكن فصل الموسم الزراعي عن بنية السلطة والثروة، فهناك ثلاث مجموعات تتحكم في مفاصل القرار الزراعي. المجموعة الأولى هي كبار ملاك الأراضي والمشاريع المروية الذين يملكون ستة بالمئة من الأراضي لكنهم ينتجون أربعة وخمسين بالمئة من الصادرات الزراعية، وهؤلاء مصالحهم مرتبطة بالتصدير وبالدولار، لذا يضغطون لرفع الدعم عن الوقود والسماد حتى لا يزاحمهم صغار المزارعين. المجموعة الثانية هي شبكات التجارة والتمويل غير الرسمي التي تحتكر مدخلات الإنتاج وتفرض شروطاً ربوية قاسية على التمويل تصل إلى مئة وعشرين بالمئة في الموسم الواحد. المجموعة الثالثة هي البيروقراطية الزراعية التي تحولت من جهاز خدمي إلى جهاز جبائي يفرض سبعة عشر نوعاً من الرسوم والجبايات من الزكاة إلى رسوم العبور. في مقابل هؤلاء، هناك أربعة واثنان من عشرة مليون أسرة مزارعة صغيرة تدفع الثمن مضاعفاً، فهي تدفع كلفة الحرب وتدفع كلفة المناخ وتدفع كلفة السياسات الخاطئة. إن أي إصلاح حقيقي للموسم الصيفي يجب أن يبدأ بتفكيك تحالفات المصالح هذه وإعادة تعريف من هو المزارع المستهدف بالدعم.

 

إن السودان ليس إقليماً زراعياً واحداً بل ستة أقاليم متوازية لكل منها معادلته الخاصة. القطاع المطري الآلي يتركز في الحزام الممتد من القضارف وكسلا وسنار والنيل الأزرق وجنوب كردفان وجنوب دارفور، وهو ينتج ثمانية وسبعين بالمئة من السمسم وأربعة وستين بالمئة من الذرة الرفيعة وواحداً وتسعين بالمئة من زهرة الشمس ومئة بالمئة من القطن المطري. ميزته النسبية أنه زراعة واسعة على ملايين الأفدنة برأس مال قليل نسبياً.

لكنه الآن في غرفة الإنعاش. في القضارف وحدها كانت المساحة المزروعة تصل إلى ستة ونصف مليون فدان، انخفضت في خمسة وعشرين وألفين إلى اثنين وواحد من عشرة مليون فدان. التحدي الأخطر هنا ليس المطر بل الأمن، فستون بالمئة من المشاريع الآلية الكبرى تقع في مناطق تماس عسكري أو على طرق إمداد رئيسية، مما جعل المستثمرين يهجرون الأرض. التحدي الثاني هو انهيار أسطول الآليات، فمتوسط عمر الجرار في القضارف سبع وعشرون سنة، وتسعون بالمئة من الحاصدات تحتاج قطع غيار لا يمكن استيرادها.

التحدي الثالث هو التمويل، فكبار المزارعين كانوا يعتمدون على الشيل من البنوك بضمان المحصول، والبنوك الآن ترفض لأنها لا تستطيع ضمان الحصاد أو الترحيل. الحل هنا ليس بالتقاوي فقط، بل بصفقة سياسية تخلق مناطق زراعية منزوعة السلاح تحت حماية مجتمعية ودولية، مع توفير وقود وآليات عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. بدون هذا فإن القضارف التي كانت تصدر بثمانمئة مليون دولار سنوياً ستتحول إلى مستورد صافٍ للغذاء.

 

مشروع الجزيرة والمناقل هو أسطورة الزراعة السودانية وأكبر مشروع مروي تحت إدارة واحدة في العالم بمساحة اثنين واثنين من عشرة مليون فدان. في الموسم الصيفي يزرع القطن والفول السوداني والذرة والخضروات، لكنه اليوم يعمل بثلاثة وعشرين بالمئة فقط من طاقته.

الأزمة هنا مركبة من ثلاث طبقات. الطبقة الأولى هي دمار البنية التحتية للري، فقنوات الري الرئيسة والفرعية تحتاج تطهير وإزالة حشائش وأطماء بتكلفة مئة وأربعين مليون دولار غير متوفرة، وأربعون بالمئة من أبواب المياه مكسورة أو منهوبة. الطبقة الثانية هي تفكك العلاقة التعاقدية بين إدارة المشروع والمزارع، فالمزارع لم يعد يثق أن الإدارة ستوفر له الماء أو السماد أو ستشتري محصوله، فأصبح يزرع على مسؤوليته الخاصة بمحاصيل سريعة العائد مثل البصل. الطبقة الثالثة هي الزحف السكاني، فقرى الكنابي تمددت داخل الحواشات، وتحولت أجزاء من المشروع إلى سكن عشوائي.

إنقاذ الجزيرة في الموسم الصيفي يتطلب إدارة طوارئ بصلاحيات سيادية لمدة عامين، تضم الجيش والمزارعين والخبراء، مهمتها الوحيدة هي إعادة ضخ المياه وإدارة الدورة الزراعية بالقوة الجبرية إن لزم. أي حديث عن خصخصة أو استثمار أجنبي الآن هو رفاهية، فالمشروع يحتاج أولاً أن يعود مشروعاً.

 

القطاع المطري التقليدي يمتد في شمال كردفان وغرب دارفور وأجزاء من النيل الأبيض وجنوب النيل الأزرق، وينتج اثنين وتسعين بالمئة من الدخن وسبعين بالمئة من الكركدي وثمانين بالمئة من الصمغ العربي. ميزته أنه يعتمد على الأمطار والأصناف البلدية ولا يحتاج مدخلات مستوردة، وسكانه هم الأفقر والأكثر هشاشة. كارثة هذا القطاع أنه غير مرئي في موازنات الدولة، ففي خمسة وعشرين وألفين لم تصل أي تقاوي محسنة أو إرشاد زراعي لشمال كردفان. التحدي الأكبر هنا هو التصحر وزحف الرمال، فحزام الصمغ العربي يتراجع جنوباً خمسة كيلومترات كل عام. التحدي الثاني هو النزاعات القبلية على المراعي والمسارات، والتي تمنع المزارع من الوصول لحقله. التحدي الثالث هو انهيار سوق الصمغ العربي بسبب الحرب، فالمخزون متكدس في الأبيض ولا يوجد تصدير. الحل هنا منخفض التكلفة عالي العائد، فبرنامج بقيمة خمسين مليون دولار فقط لتوفير تقاوي دخن محسنة مقاومة للجفاف وحفائر لحصاد المياه وأدوات زراعية يدوية يمكن أن يضاعف إنتاج ثمانمئة ألف أسرة. هذا القطاع هو خط الدفاع الأول ضد المجاعة، لأن إنتاجه يستهلك محلياً ولا يدخل السوق، فإذا انهار سيموت الناس جوعاً في صمت.

 

الزراعة المروية في الشمالية ونهر النيل تعتمد على الري من النيل مباشرة عبر الطلمبات، وتنتج خمسة وستين بالمئة من الفول المصري وثمانين بالمئة من التمور وتسعين بالمئة من البرسيم الصادر. الموسم الصيفي هنا يزرع فيه الذرة الشامية والخضروات والأعلاف. الميزة النسبية هي التحكم في المياه وعدم الاعتماد على المطر، لكن نقطة الضعف القاتلة هي الكهرباء والوقود، فخمسة وثمانون بالمئة من المشاريع تعمل بالكهرباء أو الديزل، وتعرفة الكهرباء الزراعية ارتفعت أربعمئة بالمئة، والديزل غير متوفر أو يباع في السوق الأسود بثلاثة أضعاف السعر الرسمي. النتيجة أن آلاف الأفدنة المجهزة تصحرت لأن المزارع لا يستطيع تشغيل الطلمبة. التحدي الثاني هو ملوحة التربة بسبب سوء الصرف، مما يخفض الإنتاجية خمسة عشر بالمئة سنوياً. الحل الاستراتيجي هنا هو التحول للطاقة الشمسية، فتكلفة تحويل مشروع مئة فدان للطاقة الشمسية هي اثنان وعشرون ألف دولار، يستردها المزارع في موسمين من وفر الوقود. برنامج قومي بتمويل من البنك الدولي لتركيب عشرة آلاف مضخة شمسية سيغير قواعد اللعبة ويحول الشمالية إلى سلة خضار وفاكهة السودان.

 

ولاية النيل الأبيض تمثل حالة خاصة ذات طبيعة مزدوجة تجمع بين الزراعة المروية والزراعة المطرية، وهي جسر جغرافي وزراعي بين الوسط والجنوب. في الجزء الشمالي منها، تمتد مشاريع السكر العملاقة كسكر كنانة وسكر عسلاية وسكر النيل الأبيض، وهي مشاريع مروية من النيل الأبيض وتغطي أكثر من أربعمئة ألف فدان، لكنها اليوم تعمل بأقل من نصف طاقتها بسبب شح الوقود وتعطل سلاسل توريد قطع الغيار وتوقف الصيانة الدورية، فتحولت من مصدر للعملة الصعبة إلى عبء على الدولة. هذه المشاريع لا تنتج السكر فقط، بل تنتج المولاس والإيثانول والعلف والأعلاف الخضراء، وأي تعطل فيها يضرب منظومة الثروة الحيوانية في كل السودان. في الجزء الجنوبي والغربي من الولاية، تمتد مساحات شاسعة من الزراعة المطرية التقليدية والآلية في محليات الجبلين والسلام وتندلتي، وتزرع الذرة والسمسم والدخن والفول السوداني. ميزة النيل الأبيض المطرية أنها تقع في الحزام المطري المضمون نسبياً بمعدل أمطار يتراوح بين خمسمئة وسبعمئة مليمتر سنوياً، لكنها تعاني من ضعف البنية التحتية للطرق، فالمحصول ينتج ولا يجد طريقاً للسوق، ويقدر الفاقد في النقل والتخزين بسبعة وثلاثين بالمئة وهو الأعلى في السودان. التحدي الأخطر في النيل الأبيض هو النزاع على الأرض بين الزراعة والرعي، خاصة مع حركة النزوح الكثيفة من الجنوب ومناطق الحرب، مما حول كثيراً من الأراضي الزراعية إلى معسكرات أو مراعي مؤقتة. كما أن قرب الولاية من دولة جنوب السودان جعلها ممراً لتهريب المدخلات والمحاصيل، مما يخلق سوقاً سوداء موازية تضرب أي سياسة سعرية للدولة. الحل في النيل الأبيض يكمن في فك الاشتباك بين مشاريع السكر والزراعة الأهلية، عبر تخصيص مساحات محمية للمزارعين الصغار حول المشاريع الكبرى بنظام الزراعة التعاقدية، وتمويل إنشاء سوق محصول مركزي في ربك مربوط بسكة حديد وطريق مسفلت إلى الميناء، وإطلاق مشروع قومي لحصاد مياه الأمطار في مناطق تندلتي لزراعة مليون فدان ذرة في الموسم الصيفي، لأن الولاية هي الأقرب جغرافياً لمراكز الاستهلاك في الخرطوم والأقل تكلفة في الترحيل إذا أُصلحت الطرق.

 

دارفور الكبرى ليست إقليماً واحداً زراعياً. جنوب دارفور هو حزام الذرة والفول السوداني، وغرب دارفور هو حزام الدخن، وشمال دارفور هو حزام التبغ والصمغ، ووسط دارفور هو جبل مرة وسلة الخضار والفاكهة. الحرب دمرت سبعين بالمئة من البنية الإنتاجية، ومعسكرات النزوح ابتلعت الأراضي الزراعية، والماشية المسلحة أتلفت المحاصيل. لكن المفارقة أن دارفور تملك أعلى مخزون من المياه الجوفية في السودان غير المستغل، فحوض البقارة الجوفي يكفي لزراعة ثلاثة ملايين فدان رياً مستداماً. التحدي ليس فنياً بل أمنياً وسياسياً. أي حديث عن موسم صيفي في دارفور قبل وقف إطلاق نار محلي وحماية الموسم الزراعي هو حديث نظري. الحل يبدأ من هدنة زراعية لمدة ستة أشهر برعاية الإدارات الأهلية، يمنع فيها الاعتداء على المزارعين ومواشيهم، مقابل توزيع تقاوي وأدوات على الجميع دون تمييز.

 

كسلا والبحر الأحمر لديهما ميزة نسبية منسية وهي دلتا القاش ودلتا طوكر، وهي من أخصب الأراضي في السودان وتعتمد على الري الفيضي من خور القاش وخور بركة. كانت تنتج أجود أنواع القطن طويل التيلة والذرة. الآن دلتا القاش متروكة بسبب إطماء القنوات وغياب الصيانة، ودلتا طوكر مهددة بزحف الرمال. إعادة تأهيل دلتا القاش فقط بتكلفة ثلاثين مليون دولار يمكن أن تعيد أربعمئة ألف فدان للإنتاج خلال موسم واحد. البحر الأحمر لديه ميزة أخرى وهي الزراعة المطرية الشتوية في تلال البحر الأحمر، لكنها تصلح للذرة الرفيعة سريعة النضج في الصيف إذا تم حصاد المياه. إهمال هذا الإقليم خطأ استراتيجي لأنه بعيد عن مناطق الحرب وقريب من الميناء.

 

إن الحديث عن الحلول يجب أن يتجاوز الأمنيات إلى برامج قابلة للقياس. على المدى العاجل، أي خلال تسعين يوماً، يحتاج السودان إلى إعلان حالة طوارئ زراعية تتضمن أربعة إجراءات. الأول هو إنشاء ممرات زراعية آمنة بإشراف مجتمعي ودولي لضمان وصول المدخلات ونقل المحاصيل. الثاني هو استيراد عاجل لمئتي ألف طن من التقاوي المحسنة قصيرة العمر المقاومة للجفاف عبر آلية المقايضة مع دول الجوار مقابل الصمغ العربي والثروة الحيوانية. الثالث هو تفعيل نظام الزراعة التعاقدية برعاية الدولة بحيث تلتزم الحكومة بشراء المحصول بسعر ضمان معلن قبل الزراعة. الرابع هو إطلاق حملة قومية للنفير الزراعي تستخدم الإعلام والمجتمع المدني والطرق الصوفية والإدارات الأهلية لحشد العمالة الموسمية.

على المدى المتوسط، أي خلال ثلاث سنوات، يجب التحول من الزراعة المطرية التقليدية إلى الزراعة الذكية مناخياً عبر التوسع في حصاد المياه وتقنيات الري التكميلي والزراعة الحافظة.

 

كما يجب إعادة هيكلة البنك الزراعي وتحويله إلى بنك متخصص في سلاسل القيمة وليس مجرد ممول. على المدى الاستراتيجي، لا مفر من إصلاح حيازة الأراضي وإطلاق سوق أراضي زراعية شفاف يسمح بتدفق الاستثمار دون نزع ملكية صغار المزارعين.

 

ختاماََ الموسم الصيفي 2026م يواجه انهياراً ثلاثياً في التمويل والأمن والمدخلات، مما يهدد 22 مليون سوداني بالمجاعة. الخطر: فشل الموسم يعني انهيار الريف وموجات نزوح جديدة وتآكل ما تبقى من الدولة. الحل العاجل: إعلان طوارئ زراعية فوراً تشمل ممرات آمنة وتقاوي عاجلة وزراعة تعاقدية بسعر ضمان، مع إدارة لامركزية لكل إقليم. النجاة ممكنة، لكن نافذة الزمن تغلق خلال 90 يوماً.

 

الأرض تنتظر من يحرثها، والسماء ستمطر عاجلاً أم آجلاً، لكن السؤال: هل سيكون هناك من يحصد؟ التاريخ لن يرحم من يضيع هذا الموسم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى