السودان أولاً: من فوضى القرار إلى يقين الدولة… قراءة استراتيجية في خطاب الأزمة ومفاتيح النهضة

بقلم : الدكتور محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
*أغسطس 2026م*
_______________
في ظل ما تشهده البلاد من تحولات مفصلية وتداعيات حرب أثقلت كاهل الدولة والمجتمع معاً، وفي وقت تقدر فيه خسائر البنية التحتية بمليارات الدولارات وتتشظى فيه الأولويات بين الأمن والإغاثة والإعمار، يبرز صوت المواطن السوداني الذي أنهكته الحرب والتشظي والسيولة المؤسية، لكنه لم يفرط في بوصلته ولم يسلم عقله لليأس
لقد وصلني تعليق من أحد أبناء هذا الوطن الجريح يقول فيه بمرارة الصادقين وبصيرة المجربين: إن جوهر المرارة التي يتجرعها السودانيون اليوم هي “عدم القرار الحاسم المستند على اللوائح والقوانين الصارمة”، وإن المشكلة الكبرى تكمن في “تعدد مصادر القرار واصطدامها ببعضها”، ويتزامن مع ذلك “حالة من السيولة المفرطة في التعامل مع الأولويات” في مرحلة كان ينبغي أن تكون مرحلة النهوض والتعافي. ويختم صاحبنا قوله بإيمان راسخ: “ولا نقنط من رحمة الله”.
إن هذا الصوت ليس بكاء على اللبن المسكوب، ولا هو جلد للذات من أجل جلد الذات. إنه تشخيص جراحي دقيق صادر من داخل الوجع، وفي عمق هذا الألم تحديداً تكمن بذرة الإصلاح الأولى.
فالعلم والخبرة الاستراتيجية تؤكدان أن أي مشروع للنهوض يبدأ بالاعتراف بالمرض وتسميته باسمه، ومن ثم وصف الدواء المناسب له. ومن هذا المنطلق نبدأ قراءة إعلامية واستراتيجية وإنسانية لما وراء هذه الكلمات، سعياً لاستخلاص خارطة طريق تخرجنا من فوضى القرار إلى يقين الدولة.
إن تشخيص “تعدد مصادر القرار” يضع اليد مباشرة على جوهر الدولة الحديثة. فالدولة ليست مجرد جغرافيا ولا مجرد أفراد يتصارعون على الكراسي، وإنما هي في المقام الأول مؤسسة قانونية ذات سيادة واحدة وإرادة واحدة ومرجعية واحدة. وما نعانيه اليوم يمكن تسميته علمياً بـ “انفصام الدولة”، حيث تتنازع عدة مراكز قوى على الاختصاص والقرار، وتتضارب التوجيهات.
وتغيب المحاسبة، فتصبح الدولة كلها رهينة للتجاذبات الداخلية والخارجية وتضيع هيبتها داخلياً وخارجياً. وهنا تتجلى الحكمة الكامنة في الإشارة إلى “اللوائح والقوانين الصارمة”، فهي دعوة ضمنية صريحة للانتقال من دولة الأشخاص ومنطق الاستثناء إلى دولة المؤسسات ومنطق القاعدة. فلا نهوض بلا قانون، ولا استقرار بلا مرجعية، ولا ثقة بلا مساءلة. والعلاج الاستراتيجي يبدأ بإعادة الاعتبار لمؤسسة سيادية واحدة تحكمها لوائح واضحة وشفافة، وتعمل وفق أولويات معلنة، وتخضع لرقابة الشعب.
ويتصل بهذا مباشرة تشخيص “السيولة المفرطة في الأولويات”، وهو وصف بليغ يلخص أزمة الإدارة في بلادنا منذ سنوات. فالدولة التي تتعامل مع كل الملفات باعتبارها أولوية قصوى، هي في الحقيقة دولة لا تتعامل مع أي ملف.
إن تبديد الطاقة والموارد في معارك جانبية وصراعات هامشية هو السمة الأبرز لحالة التيه التي نعيشها. ولكن اللافت أن الحرب نفسها، رغم فداحتها، قد منحتنا هدية قسرية هي إعادة ترتيب الأولويات. لقد فرضت علينا ضرورات الواقع سلماً واضحاً لا يقبل التأجيل ولا المزايدة: الأمن أولاً باعتباره المدخل لكل شيء، ثم الغذاء والدواء باعتبارهما حقاً إنسانياً أصيلاً، ثم إعادة الإعمار باعتباره مشروع المستقبل. وعليه فإن المرحلة القادمة لا تحتمل “حكومات محاصصات” تبحث عن التوازنات الحزبية والجهوية، بل تحتاج بإلحاح إلى “حكومة مهام وطنية” مهمتها الوحيدة والمحددة هي حصر الأولويات العليا للبلاد وتنفيذها بصرامة وبلا تردد. من يدرك المرض يستطيع أن يصف الدواء، وقد شخص صاحبنا الداء بدقة تستحق التوقف عندها.
ولعل أبلغ ما في هذا الخطاب وأكثره استشرافاً هو الدعوة إلى “روح الاتفاق والإجماع حول قضية نقاتل من أجلها”. بهذه الجملة نلخص أزمة السودان المزمنة كلها. فالأمم لا تنهض بمجرد الرغبة، ولا بالشعارات.
وإنما تنهض عندما يتوحد وجدانها الجمعي حول هدف أسمى تتضاءل أمامه كل الخلافات. لقد نهضت مصر بقضية العبور واسترداد الكرامة، ونهضت رواندا بقضية “لا نعود للإبادة أبداً”، ونهضت كوريا الجنوبية بقضية “التصنيع أو الموت”.
والسودان اليوم مطالب بأن يخترع قضيته الجامعة. ولتكن هذه القضية “السودان أولاً” كعنوان لمشروع وطني شامل للبناء والإعمار والسيادة ورد الاعتبار. وعندما تتحول هذه القضية إلى عقيدة عامة تبثها مؤسسات الإعلام الاستراتيجي وتتبناها المدرسة والمسجد والجامعة والإعلام، فإنها تصبح درعاً منيعاً يذوب أمامه كل من يعمل على الهدم.
ولا يمكن تجاوز الإشارة المؤلمة إلى “السُم الزعاف” الذي نفثته سنوات مضت ولا يزال يسري. إنها عبارة تعبر عن غبن تاريخي مشروع وعن شرخ مجتمعي عميق خلفته تجربة حكم عبثت بالثوابت وضربت النسيج الوطني. ولكن المنطق الاستراتيجي السليم يقتضي أن نحول هذا التشخيص من أداة لجلد الذات واستدعاء الماضي إلى وقود للمستقبل. فبدل أن نعيش في لعن ما مضى، نصنع “مصلاً وطنياً” مضاداً لهذا السم. وهذا المصل مركب من عنصرين أساسيين لا غنى عن أحدهما: الأول هو المصالحة الوطنية الحقيقية المبنية على المحاسبة القانونية العادلة لا على الإقصاء والتشفي، والثاني هو بناء عقد اجتماعي جديد ودستور محصن يمنع تكرار سيناريو العبث بالدولة ويؤسس لعلاقة جديدة بين الحاكم والمحكوم. إن استخلاص الدروس هو قمة الذكاء الاستراتيجي للأمم.
وتأتي الخاتمة الإيمانية “ولا نقنط من رحمة الله” و”اللهم ولي خيارنا” لتضع الفارق الحاسم بين اليائس وبين المُصلح. فاليائس يقف عند التشخيص ويستسلم للجلد، أما المُصلح فيبدأ من حسن الظن بالله ثم ينتقل فوراً وبسرعة إلى الأخذ بالأسباب. والدعاء بولاية “الخيار” ليس مجرد أمنية، بل هو في ذاته برنامج عمل. فالأخيار لا ينزلون من السماء، وإنما نصنعهم نحن بمعايير الكفاءة والنزاهة والوطنية والتجرد، ونختارهم بإرادة حرة واعية.
إن هذا النص الكريم، رغم مرارته، يحمل في جوهره خارطة طريق متكاملة للخروج من النفق. أولها العودة الحاسمة إلى وحدة القرار ودولة القانون والمؤسسات. وثانيها ترتيب الأولويات الوطنية عبر حكومة مهام ذات أهداف واضحة وقابلة للقياس. وثالثها صناعة الإجماع الوطني حول مشروع “السودان أولاً” باعتباره القضية الجامعة التي نوحد حولها الصفوف. ورابعها بناء مناعة وطنية عبر استخلاص الدروس وتحصين الدولة ضد تكرار تجارب الهدم. وخامسها الجمع الحكيم بين الإيمان العميق والعمل الدؤوب.
إن وجود أمثال هذا المواطن الذي ينبري لمهة النقد البناء هو الضمانة الحقيقية أن السودان لن يموت. فالسودان ليس خطوطاً على الخريطة فقط، السودان فكرة، وإرادة، وتاريخ، ومستقبل. ومن يملك الإرادة يصنع الدولة، ومن يملك الرؤية يصنع النهضة. فهل تسمع مؤسسات الدولة هذا الصوت قبل أن يضيع الوقت؟؟؟.
نسأل الله العلي القدير أن يجعل هذا القلم نوراً يهتدي به الساسة، وأن يصلح حالنا ويولي من يصلح حال العباد والبلاد.



