د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… السكة حديد… في الليلة الظلماء يُفتقد البدر!أين القطارات؟ ومن المسؤول عن تغييب هذا العملاق في وقت يحتاج فيه السودان إلى كل شبر من قضبانه؟

أيام عصيبة يعيشها الشعب السوداني هذه الأيام، جراء أزمة الوقود الطاحنة التي شلّت حركة المواطنين، وأربكت حركة التجارة، ورفعت تكلفة نقل البضائع والسلع بين المدن، وأجبرت آلاف السودانيين على الوقوف لساعات طويلة أمام محطات الوقود، بلا أمل واضح في انفراج قريب.
صفوف تمتد إلى ما لا نهاية، وبصات مكتظة بالمسافرين، ومواطنون تتعطل مصالحهم وأرزاقهم، في وقت أصبحت فيه أبسط متطلبات الحياة معركة يومية.
بلغت المعاناة حدًّا دفع بالولاة في الخرطوم ونهر النيل إلى مطالبة العربات الحكومية بالمساهمة في نقل المواطنين.
ولكن، وسط هذا المشهد المؤلم، هناك سؤال لا بد أن يُطرح بصوت عالٍ:
أين السكة حديد؟ وهل لا تزال لدينا سكة حديد في هذا البلد؟!
أين الإدارة العامة للسكة حديد؟ وأين وزارة النقل؟ وأين الخطط والطوارئ التي يفترض أن تُفعّل عندما تختنق وسائل النقل البري ويصبح الوقود عملة نادرة؟
ألم يكن هذا الظرف الاستثنائي كافيًا لإيقاظ هذا العملاق من سباته، وإعادته إلى أداء دوره الوطني؟
أم أن السكة حديد أصبحت مجرد اسم في دفاتر الدولة، وذكرى جميلة في ذاكرة السودانيين، ومباني وقضبانًا لا يعرف أحد متى تعود إلى الحياة؟
أين قطار النيل؟ وأين قطار الجزيرة؟
نسأل إدارة السكة حديد بلا مواربة: هل توجد قاطرات صالحة للعمل؟ وهل تعمل قطارات الركاب والبضائع؟ وإذا كانت تعمل، فلماذا لا يشعر المواطن بوجودها؟ وإذا كانت متوقفة، فمن المسؤول عن توقفها؟ وما الذي يمنع إعادة تشغيلها؟
أين قطار النيل الذي كان يربط المدن ويخدم المواطنين؟ وأين قطار الجزيرة الذي يمكن أن يسهم في نقل الركاب والمحاصيل والبضائع؟
ماذا أصاب هذه القطارات؟ ومتى تعود؟ ولماذا لا تخرج الجهات المسؤولة إلى الرأي العام لتضع الحقائق كاملة أمام المواطنين؟
إن الصمت في مثل هذه الظروف لا يكفي، والتبريرات لا تنقل راكبًا واحدًا، والوعود لا تحرّك قاطرة على القضبان. المطلوب إجراءات ونتائج، لا بيانات للاستهلاك الإعلامي.
كم يكلف التأهيل؟ وكم نخسر بسبب التعطيل؟
هنا نصل إلى جوهر القضية.
كم تبلغ التكلفة الفعلية لتأهيل قطار النيل وقطار الجزيرة وإعادتهما إلى الخدمة؟ وكم من الوقت يحتاجان؟ وما حجم الإيرادات التي يمكن أن يحققاها من نقل الركاب والبضائع؟
لماذا لا تُعلن هذه الأرقام للرأي العام؟ ولماذا لا تُطرح خطة عاجلة تتضمن تكلفة التأهيل، ومصادر التمويل، والجدول الزمني للتشغيل، والعائد الاقتصادي المتوقع؟
إذا كانت المشكلة في نقص القاطرات أو قطع الغيار أو صيانة الخطوط، فلتُعلن التفاصيل بوضوح. وإذا كانت هناك عقبات مالية أو إدارية، فلتُحدد المسؤوليات وتُطرح الحلول.
أما أن يظل المواطن حبيس صفوف الوقود، وتتضاعف عليه تكاليف السفر والنقل، بينما يغيب أحد أهم مرافق النقل الاستراتيجي عن معالجة الأزمة، فذلك أمر لا يمكن قبوله أو السكوت عنه.
والأهم من ذلك كله: كم تكلف الدولة والمواطن خسائر تعطيل السكة حديد؟
إن حساب الجدوى لا يبدأ بتكلفة إعادة التأهيل وحدها، بل يجب أن يشمل أيضًا ما نخسره يوميًا من ارتفاع تكاليف النقل، وتعطل حركة البضائع، وزيادة استهلاك الوقود، والضغط على الطرق البرية.
فربما كان الاستثمار في إعادة تشغيل القطارات أقل تكلفة بكثير من استمرار هذا النزيف الاقتصادي.
السكة حديد ليست وزارة هامشية!
على الحكومة أن تدرك أن السكة حديد ليست مرفقًا ثانويًا يمكن تأجيل إصلاحه إلى أجل غير مسمى، وليست مسؤولية إدارة تنتظر المخصصات والاعتمادات دون أن تقدم بدائل.
إنها شريان اقتصادي يربط أجزاء السودان، ووسيلة استراتيجية لنقل المحاصيل والسلع والمواد الأساسية، وأداة لتقليل الاعتماد على النقل البري المكلف والمستهلك للوقود.
وفي بلد يعاني شح النقد الأجنبي وصعوبة استيراد الوقود، يصبح تطوير النقل بالسكك الحديدية ضرورة اقتصادية، وليس مجرد مشروع لتحسين الخدمات.
ومن هنا، فإننا نطالب وزارة النقل وإدارة السكة حديد بتقديم خطة عاجلة ومعلنة تتضمن:
– حصر القاطرات والعربات الصالحة للتشغيل وتحديد ما يحتاج منها إلى الصيانة.
– إعلان التكلفة الحقيقية لإعادة تشغيل قطار النيل وقطار الجزيرة.
– تحديد موعد واضح لاستئناف الرحلات، وفق الإمكانات الفنية المتاحة.
– إعطاء الأولوية لنقل السلع الأساسية والمحاصيل والركاب بين المدن.
– نشر تقرير دوري للرأي العام يوضح ما أُنجز وما تعثر وأسباب التعثر.
هذه ليست مطالب تعجيزية، بل الحد الأدنى من المسؤولية تجاه شعب أنهكته الأزمات.
متى يتحرك هذا العملاق؟
إن أخطر ما تواجهه مؤسسات الدولة ليس نقص الموارد وحده، وإنما غياب المبادرة، وضعف التخطيط، وانتظار وقوع الأزمات قبل البحث عن الحلول.
ألم يكن من المفترض أن تكون السكة حديد جزءًا أصيلًا من خطة الطوارئ الوطنية للنقل؟ وأين البدائل التي تحمي حركة المواطنين والبضائع عندما تتعطل إمدادات الوقود؟
إن الأزمة الحالية يجب أن تكون جرس إنذار للحكومة، لا مجرد مناسبة لإصدار توجيهات مؤقتة بنقل المواطنين بالعربات الحكومية.
نريد حلولًا مستدامة، لا مسكنات تنتهي بانتهاء الأزمة. ونريد مؤسسة قادرة على أداء دورها، لا مرفقًا ينتظر المواطن عودته دون أن يعرف متى أو كيف.
اتقوا الله في الشعب السوداني!
أعيدوا إليه قطاراته، قطارات الركاب والبضائع، وارحموا المسافرين من التكدس في البصات، والوقوف الطويل في صفوف الوقود، واستنزاف أموالهم في تكاليف نقل تتصاعد كل يوم.
وعلى الحكومة أن تسأل إدارة السكة حديد سؤالًا مباشرًا: ماذا فعلتم لإعادة هذا المرفق إلى الحياة؟ وما الذي ستفعلونه الآن؟
أما الشعب، فمن حقه أن يعرف، ومن حقه أن يحاسب، ومن حقه أن يرى نتائج ملموسة، لا أن يظل يدفع ثمن التعطيل من جيبه وأعصابه ووقته.
في الليلة الظلماء يُفتقد البدر، وفي أزمات الوقود يُفتقد قطار السودان.
فهل تتحرك السكة حديد أخيرًا؟ أم سيظل هذا العملاق أسير الإهمال، بينما يواصل المواطن رحلة العذاب على الطرق وفي صفوف الجاز؟



