(مهد الحروف) د. هيثم حسن عبد السلام…. ألحان في مهب الإعلان.. كيف نحمي حقوق المبدع والمستهلك في سودان ما بعد الحرب؟

تضع الحروب أوزارها لتترك المجتمعات أمام تحدي إعادة البناء، ليس فقط بناء ما دمرته الآلة العسكرية من حجر، وإنما إعادة ضبط وتوجيه المؤسسات والقوانين التي تحمي الإنسان وتصون هويته واقتصاده.
وفي مرحلة سودان ما بعد الحرب، التي نتطلع فيها إلى نهضة اقتصادية واستثمارية واسعة، يبرز “الإعلان التجاري” كواحد من أهم أدوات تحريك عجلة السوق. إلا أن هذا التدفق الاستثماري المتوقع لا يمكن أن يُترك حراً بلا ضوابط، وإلا تحول سوق الإعلانات إلى ساحة للفوضى والتضليل، ومن هنا تكتسب القوانين والمواصفات القياسية قيمتها كحصن أمان للمستهلك وللاقتصاد الوطني على حد سواء.
ولعل ما شهده الشارع السوداني والوسط الفني مؤخراً يعكس تماماً حتمية هذا الضبط، حيث تفجرت قضية الساعة المتمثلة في النزاع القانوني والأدبي بين إحدى كبريات شركات الاتصالات وعدد من المبدعين من فنانين وشعراء (مثل الأزمة الأخيرة المتعلقة باستخدام محتوى غنائي دون تسوية حقوقه الاستغلالية). هذه الحادثة قرعت ناقوس الخطر حول كيفية إدارة الحقوق الإبداعية والملكية الفكرية في المواد الإعلانية، وكشفت عن خيط رفيع يربط بين استباحة جهد المبدع وتضليل المستهلك؛ فالإعلان الذي يتأسس على التعدي لا يمكنه أن يقدم رسالة صادقة للمجتمع.
هنا يتجلى الدور المحوري لوثيقة وطنية مرجعية بالغة الأهمية، وضعتها الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، وهي المواصفة القياسية السودانية للإعلان عن المنتج (م ق س د 5268:2013). ورغم صدور هذه المواصفة قبل سنوات، إلا أن بنودها واشتراطاتها تمثل اليوم خارطة طريق لا غنى عنها لترتيب البيت الداخلي لقطاع الإعلان، والفصل في مثل هذه النزاعات التي تمس صلب حقوق الملكية وحقوق المستهلك.
إن الإعلان ليس مجرد وسيلة ترويجية عابرة، إنما هو رسالة ثقافية واجتماعية واقتصادية تتدخل في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن عبر الوسائط المسموعة والمرئية والمقروءة وإعلانات الطرق. وفي وقت نحتاج فيه إلى تعزيز القيم وضبط الأسواق، نصت المواصفة بوضوح في بندها السادس عشر (16.1.3) على ضرورة “عدم استخدام عبارات أو ألحان موسيقية معروفة في أي إعلان إلا بعد تقديم موافقة مكتوبة من الجهة المختصة أو المالكة”. هذا البند يحفظ حقوق الشعراء والفنانين، ويمنع التغول على الإرث الإبداعي دون مسوغات تعاقدية مكتوبة.
غير أن عبقرية هذه المواصفة السودانية لا تتوقف عند صيانة حق المبدع فحسب، بل تمتد لتجعل من حماية المستهلك غايتها الأسمى. فالمواصفة تحمي المواطن من أن يكون ضحية لإعلانات برّاقة تعتمد على الإبهار السمعي والبصري لتمرير منتجات أو خدمات قد تكون دون المستوى. لذلك، وضعت المواصفة اشتراطات صارمة تلزم بأن يكون الإعلان بلغة سهلة وغير مضللة، ومطابقاً تماماً لحقيقة المنتج (البند 4.1.3)، وألا يتضمن إيحاءً بخصائص غير متوفرة فيه.
لقد تضمنت المواصفة كوابح لحماية المستهلك في أهم تفاصيل حياته؛ حيث منعت منعاً باتاً الإعلان عن المرافق الطبية، والأدوية، والأعشاب، ومستحضرات التجميل ذات الادعاءات العلاجية إلا بعد الحصول على تصاديق من الجهات الرسمية. كما حمت المستهلك الرقمي من الإزعاج والتدخل في خصوصيته بحظر إرسال أي إعلان عبر الهواتف المحمولة أو الإنترنت إلا بعد موافقة المستخدم المسبقة.
وأتابع الدور الكبير لوزارة الثقافة والإعلام وهي تجتهد في تسجيل وضبط المنصات الرقمية والصحف الالكترونية وهنا أقول : إن بناء سودان المستقبل يتطلب تضافر جهود “المعلن”، و”الوكالة الإعلانية”، و”الوسيلة الإعلامية” في إطار معادلة متوازنة: لا استغلال لجهد المبدع، ولا تضليل لوعي المستهلك. إن تفعيل المواصفة السودانية (م ق س د 5268:2013) والالتزام الصارم بها في سودان ما بعد الحرب.
ليس تقييداً لحرية التجارة، إنما هو التأسيس الحقيقي لسوق اقتصادي واعد، نظيف، ومستدام، يصون كرامة مبدعينا وحقوقهم، ويضمن للمستهلك السوداني حقه في الأمان والمصداقية، ليقود خطى الوطن نحو إعمار حقيقي ومسؤول. فمع جهود الوزارة وتطبيق المواصفة القياسية سنصل معا نحو إعلان سوداني هادف ونظيف.



