(درب التبانة) د. الحسين تاج الدين أحمد يكتب… من يربّي أبناءنا حقًا… الأسرة أم القرية؟ (1-2)

في القرى والأرياف، لا تبدو الأسرة مجرد وحدة صغيرة مكوّنة من أب وأم وأبناء، بل هي نسيج واسع تمتد خيوطه ليشمل الأقارب والجيران والعشيرة وكل المحيط الاجتماعي الذي يشارك — بوعي أو دون وعي — في تربية الطفل وصياغة ملامح شخصيته. فهناك لا يتعلم الطفل قيمه الأولى داخل البيت فقط، بل يلتقطها من الحقول، ومن الطرقات، ومن أحاديث كبار السن الذين يمثلون ذاكرة المكان وحكمته.
وتتحول القرية كلها إلى امتداد طبيعي للأسرة، وإلى إطار تربوي لا يقل تأثيرًا عن المنزل نفسه. وفي هذا المجتمع الريفي المتشابك، يتداخل الخاص والعام إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما؛ فما تفعله الأسرة يراقبه المجتمع، وما يقوله المجتمع يصبح قانونًا غير مكتوب يوجّه الأسرة ويوحد سلوك أبنائها. وهكذا تتوزع مسؤولية التربية بين الجميع، لتتشكل منظومة اجتماعية تنتج قيماً راسخة، لكنها في الوقت نفسه قد تقيّد حرية الفرد وتحد من قدرته على الاختيار.
ولأن القرية تُعامل أبناءها كأنهم “أسرة واحدة”، فإن الطفل لا ينشأ تحت رعاية والدَيه فقط، بل تحت رقابة وتدخل جماعي يمنح كل فرد في المجتمع حق التوجيه وحق المحاسبة. وهنا يظهر السؤال الذي قلما يُطرح بوضوح: هل تنجح هذه التربية الجماعية في صناعة إنسان واثق الجذور، قوي الانتماء؟ أم أنها تُنتج — دون قصد — إنسانًا خائفًا من نظرة المجتمع، مدفوعًا إلى تبني صور ذهنية لم يصنعها بنفسه؟
الحقيقة التي يعرفها أبناء الريف جيدًا هي أن الطفل لا يُمنح فرصة ليكوّن رأيه الخاص بسهولة. ما تراه الجماعة صوابًا يصبح واجبًا، وما ترفضه الجماعة يصبح “عيبًا”، وما يتجاوزه الفرد يتحول بسرعة إلى “فضيحة”. وهكذا تتشكّل أولى الصور الذهنية في عقل الطفل: صورة المجتمع الذي يراقب كل شيء، ويحكم على كل شيء، ويقرر ماذا يجب أن يكون.
وحين يتحدث الناس عن قيم الريف، يكثرون من ذكر التكافل والأصالة والترابط، وهي قيم حقيقية لا يمكن إنكارها. لكن قليلاً من الناس يجرؤ على الاعتراف بأن هذه البيئة نفسها تنتج صورًا ذهنية جامدة، قد تدفن أحلامًا كاملة تحت ركام العادات. كم من شاب توارَت طموحاته لأن القرية رسمت له صورة مسبقة عن “العمل المناسب”، “السلوك المقبول”، “الشخص المحترم”، و“الفتاة المثالية”؟ وكم من فتاة خافت من اتخاذ قرار مهم لأن “كلام الناس” أهم من مستقبلها؟
التربية الجماعية كثيرًا ما تتحول إلى سلطة غير معلنة، سلطة تُجبر الفرد على الالتزام بالصورة الذهنية التي رسمتها الجماعة له حتى قبل أن يكتب أول كلمة في دفتر حياته. فالشاب الذي تحكم القرية عليه بأنه “غير ناضج” سيظل كذلك في أعينهم مهما تغيّر. والطفلة التي تُوصَف بأنها “هادئة” ستُعامل دائمًا على أنها بلا رأي، مهما كبرت وتعَلّمت. هكذا، لا يربّي الريف أحيانًا أبناءه بقدر ما يربّي صورهم الذهنية، ويتركهم يعيشون أسرى لها.
المدرسة في القرى ليست بعيدة عن هذا التأثير؛ فالصور الذهنية عنها تُصنع في المجالس قبل أن تُصنع في الفصول. معلّم قد يُدان بسمعة سلبية لا علاقة لها بعمله، وطالب قد يُوصف بأنه “ضعيف” فقط لأن الجماعة قالت ذلك. بل إن بعض الأسر الممتدّة ترسم مستقبل أبنائها قبل أن يعرفوا هم أنفسهم ماذا يريدون، وتغرس فيهم صورة ذهنية مفادها أن “ابن الريف لا يناسبه كذا ولا يستطيع كذا”.
السؤال الجريء الذي يجب أن يُطرح اليوم: هل نحن مستعدون للاعتراف بأن التربية الجماعية في القرى ليست دائمًا فضيلة؟ هل لدينا الشجاعة لنقول إن بعض الصور الذهنية التي صنعها المجتمع ليست سوى قوالب جاهزة تُكبَّل بها العقول؟ وهل يستطيع الريف أن يحتفظ بروحه الجميلة دون أن يُعيد إنتاج الصور النمطية ذاتها جيلًا بعد جيل؟
القرية قادرة على إنتاج إنسان نقيّ، متعاون، أصيل… لكنها قادرة أيضًا على إنتاج إنسان خائف من الخطأ، خائف من نظرات الناس، خائف من أن يكون نفسه. ما الذي نريد أن نصنعه؟ إنسانًا يطوّر صورته الذهنية بوعيه؟ أم إنسانًا يعيش وفق الصورة التي اختارتها له الجماعة؟
هنا يبدأ النقاش الحقيقي… سوف نواصل.
مع تحياتي
د. الحسين تاج الدين احمد
الدوحة – قطر



