مقالات الظهيرة

ياسر الفادني يكتب… زيارة بالنور وأخرى بالنار: أي طريق يختاره آبي أحمد؟

في أسبوعٍ واحد، فتحت أديس أبابا أبوابها على مصراعيها لزيارتين متناقضتين في الجوهر، متصادمتين في الأجندة، ومتباعدتين حدّ الاستحالة في الغايات: نائب وزير الخارجية السعودي أولاً، ثم رئيس دولة إسرائيل لاحقاً، وبين الزيارتين، يقف آبي أحمد على حبلٍ مشدود، تتجاذبه رياح السياسة الإقليمية، وتطارده أسئلة لا ترحم: هل يستطيع الجمع بين طريقين لا يلتقيان؟ أم أنه يمارس لعبة «كلام الليل الذي يمحوه النهار»؟

زيارة المسؤول السعودي جاءت محمولة على رصيد تاريخي من العلاقات، ومسنودة بثقلٍ إقليمي يعرف كيف يحفظ التوازنات ويصون الاستقرار، السعودية لا تأتي إلى إثيوبيا من بوابة المصالح الضيقة، بل من مدخل الأمن الإقليمي، ومن قناعة راسخة بأن استقرار القرن الإفريقي جزء لا يتجزأ من أمن البحر الأحمر والخليج، وأن دعم السودان ووحدته واستقراره ليس ترفاً سياسياً بل ضرورة استراتيجية، خمس فوائد واضحة يمكن قراءتها في هذه الزيارة: تعزيز الشراكة الاقتصادية، توسيع التعاون الأمني، تثبيت دور إثيوبيا في معادلة الاستقرار الإقليمي، تقوية جسور الثقة السياسية، وفتح آفاق استثمارية تعود بالنفع المباشر على الشعب الإثيوبي

 

أما زيارة الرئيس الإسرائيلي، فهي تأتي محمّلة بأجندة مختلفة تماماً، أجندة لا تبحث عن استقرار المنطقة بقدر ما تسعى لإعادة هندسة خرائطها، ولا تهتم بتعافي الدول بقدر ما تراهن على إنهاكها وتفكيكها، إسرائيل لا تدخل ساحة إلا لتُربك موازينها، ولا تمد يدها إلا لتزرع خلفها أسئلة وحرائق مؤجلة. وفي السياق السوداني تحديداً، تبدو البصمة الإسرائيلية أكثر وضوحاً وخطورة، إذ تقود، بشكل مباشر أو غير مباشر، مسارات تفكيك الدولة، وتمزيق نسيجها، وإطالة أمد حربها، خدمةً لمعادلات أمنها الاستراتيجي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي

 

هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تمحو زيارةُ الإسرائيلي أثرَ زيارةِ السعودي؟ أم أن آبي أحمد يحاول المناورة على الحبلين معاً، في رقصة سياسية محفوفة بالسقوط؟ الجمع بين الرياض وتل أبيب ليس مستحيلاً في الحسابات الدبلوماسية الباردة، لكنه شبه مستحيل في واقعٍ ملتهب كواقع السودان، حيث تقف السعودية في صف دعم الدولة ووحدتها، بينما تتحرك إسرائيل في مساحات الفوضى وإعادة التفكيك

 

الحديث عن «توفيقية» بين المسارين يبدو أقرب إلى التجميل اللفظي منه إلى الواقعية السياسية، فحين تكون الأجندات متضادة، يصبح الحياد ضرباً من الوهم، والتوازن لعبة خطرة لا ينجو منها إلا من امتلك بوصلة أخلاقية واضحة، وإرادة سياسية صلبة، وأي انحياز خفيّ لإسرائيل، حتى وإن جاء مغلفاً بلغة المصالح المشتركة، سيكون بمثابة طعنة في خاصرة الاستقرار الإقليمي، ورسالة سلبية لدولٍ كالسعودية راهنت على إثيوبيا كشريك مسؤول لا كلاعب رمادي

 

آبي أحمد اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يرسّخ صورة إثيوبيا كدولة تبحث عن الاستقرار والشراكات المتوازنة، أو أن ينزلق إلى مربع المناورات القصيرة النفس، حيث تُغريه الوعود الإسرائيلية السريعة، وتستدرجه حسابات آنية قد تحرق ما تبقى من رصيد الثقة الإقليمي

فالسياسة، وإن بدت لعبة مصالح، إلا أنها في لحظات مفصلية تتحول إلى امتحان أخلاقي، وفي هذا الامتحان، لن يكون التاريخ رحيماً بمن اختار الوقوف في صف الرماد، بينما كانت المنطقة بأسرها تبحث عن قبس نور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى