غاندي إبراهيم يكتب…. يوم في إذاعة ود مدني!!
⭕ حينما اتاني الاتصال للمشاركة في برنامج «الفترة المفتوحة» بـ إذاعة ود مدني، لم أتردد لحظة، رغم ارتباط سابق كان ينتظرني، فبعض الدعوات لا تُؤجَّل… لأنها تأتي من مكان يسكنك قبل أن تسكنه.
⭕ هذه الإذاعة لم تكن مجرد موجة في جهاز راديو قديم، بل كانت رفيقة طفولتنا، وصوتاً ينساب بين الترعة وأبو عشرين وأبو ستة،كنا نحمل (الملود والكندكة) لنحش الحشائش وننظف الحواشات، وكانت هي تؤانسنا، تخفف عنا وعثاء التعب، وتزرع فينا الأمل ونحن بعدُ صغار نحلم بوطن كبير.
⭕ الدخول إلى مباني الإذاعة كان لحظة مشحونة بالمشاعر، فهي اليوم في مرحلة تعافٍ بعد أن طالها خراب المليشيا التي أرادت إسكات صوتها، فدمرت الأجهزة وعبثت بالممتلكات، لكنهم لم يدركوا أن الصوت الحر لا يُكسر، وأن الرسالة لا تُهزم.
فما ذنب الإذاعة سوى أنها كانت لسان الناس؟
⭕ داخل المبنى، كانت خطواتنا تمضي بحذر وسط أعمال الصيانة والترميم التي تجري بوتيرة متسارعة، وهنا نحيي السيد والي ولاية الجزيرة، الذي أولى الإذاعة اهتماماً خاصاً، وحرص على عودتها إلى البث، لتستعيد رسالتها ودورها في هذه المرحلة المفصلية.
⭕ الأستاذ عبيد ميرغني، مدير هيئة إذاعة وتلفزيون ولاية الجزيرة، ومعاونه معتصم النعمان، وكل الكادر العامل، يخوضون معركة صامتة في بيئة تفتقد للكثير من المقومات. حدثنا المدير عن عودتهم إلى المباني فور تحرير الولاية، وعن التحديات التي واجهوها حتى عاد الصوت نقياً عبر موجة الـFM، على أن تعود قريباً الموجة المتوسطة، إنها إرادة تصنع المستحيل.
⭕ امتدت حلقة «الفترة المفتوحة» لساعتين ونصف تحت عنوان «لقاء الصحافة»، بمشاركة الأساتذة عبدالجليل عوض البدوي، وأحمد الطيب المنصوري، ودكتور عبداللطيف سليمان عثمان، رئيس قسم الاقتصاد والعلوم الإدارية بجامعة القرآن الكريم، كان الحوار عميقاً ومسؤولاً، تناول الأوضاع الراهنة في السودان، واستعرض دور الإعلام في هذه المرحلة الدقيقة.
⭕ أجمعنا على أن المعركة اليوم ليست عسكرية فحسب، بل معركة وعي أيضاً، وأن الإعلام المهني الصادق هو خط الدفاع الأول عن الاستقرار، وهو الجسر الذي يعبر بالوطن من ضيق المرحلة إلى سعة المستقبل، شددنا على ضرورة ترسيخ المصداقية، وتطوير أدوات العمل الإعلامي، ومواكبة التحولات المتسارعة، حتى يظل الإعلام معبّراً عن تطلعات الناس، وحارساً لقضاياهم.
⭕ خرجت من إذاعة ود مدني وأنا أكثر يقيناً أن المؤسسات التي تتجذر في وجدان الناس لا تموت، قد تتعرض للأذى، لكنها تعود أقوى، لأن خلفها رجالاً يؤمنون بالرسالة، وجمهوراً ينتظر الصوت الصادق.
#إذاعة ود مدني ليست مبنىً وأجهزة… إنها ذاكرة جيل، وصوت وطن، ونبض مرحلة.
#وستبقى كذلك… ما بقي فينا قلب يخفق بحب الجزيرة والسودان.


