الخير موسى يكتب… ذكرى تحرير ود مدني… حين عاد القلب ليخفق من جديد

عندما سقطت ود مدني، لم تكن مدينة وحدها التي هوَت، بل كأن السودان بأكمله قد انشطر نصفين .
سقطت مدني، فسقط معها الاطمئنان من قلوب السودانيين، وارتجف الوجدان الجمعي لأمة تعرف تماماً أن مدني ليست مجرد جغرافيا، بل هي القلب النابض، والشريان الذي يمد الجسد السوداني بالحياة.
كان وقع السقوط ثقيلاً، موجعاً، مزلزلاً .
بكى الناس في كل بقاع السودان، لأنهم أدركوا بالفطرة قبل السياسة أن السودان لا يُهزم إلا إذا انكسر قلبه، وأن القلب اسمه ود مدني.
هناك، حيث الزرع والضرع، حيث الإنسان البسيط النقي، حيث المعنى الحقيقي للدولة حين تكون في خدمة شعبها.
لذلك لم يكن خيار التحرير ترفاً ولا شعاراً، بل كان قدراً لا فكاك منه. كان معلوماً للجميع أن السودان لن يتحرر كاملاً ما لم تُحرر ود مدني، وأن استعادة الوطن تبدأ من استعادة قلبه. فتهيأت العدة، ورُسمت الخطط، وتعاضدت القوات، ووُضعت الاستراتيجيات بعزيمة لا تلين وإرادة لا تنكسر.
تقدمت المتحركات من ثلاثة اتجاهات، مرة تتقدم ومرة تعيد التموضع، لكن الثابت الوحيد وسط تقلبات المعركة كان الإصرار إصرار الرجال الذين علموا أن الطريق إلى النصر مفروش بالتضحيات، وأن مدني لا تعود إلا محمولة على أكتاف الصابرين ، سقط الشهداء، فصار دمهم وقوداً للمسير، وزاداً للعزيمة، ونبراساً يدل الطريق .
مدني لم تكن هدفاً عسكرياً فحسب، بل كانت عقيدة، وكانت وعداً، وكانت شرف المعركة فهي شريان حياة السودان، وإذا عاد الشريان عاد النبض، وإذا عاد النبض نهض الجسد كله.
وحين أتى يوم التحرير، لم يخرج الناس فرحين فقط، بل خرجوا باكين من الفرح، مختلطين بين الدموع والزغاريد، بين التكبير والحمد .
عاد القلب إلى مكانه، فعاد السودان واقفاً على قدميه.
مدني… يا أرض المحنة، ويا عنوان الصمود، ويا لوحة الجمال السوداني الخالص. مدني التي تغنّى بها شعراؤنا، وتشكلت في وجدان فنانينا، وعاشت في ضمير كل سوداني كحلم لا يقبل الانكسار.
إن ذكرى تحرير ود مدني ليست مجرد تاريخ عادي ، بل هي يوم خالد في الوجدان الوطني، يوم استعاد فيه السودان ثقته بنفسه، واستردت الجزيرة كرامتها، وتطهرت الأرض من الأرجاس والأوباش، وعادت مدني إلى حضن الوطن مرفوعة الرأس، ترفرف فوقها رايات النصر.
ومن مدني، انفتح طريق الخلاص، ومنها انطلقت بشائر التحرير لبقية بقاع السودان، حتى تحررت الخرطوم، وتأكد للجميع أن هذا الوطن، مهما اشتدت عليه الخطوب، لا يموت… لأنه كلما سقط، نهض، وكلما جُرح، قاتل، وكلما ضاقت به السبل، اتسع بالأمل.



