مقالات الظهيرة

(إبر الحروف) عابد سيد أحمد يكتب… وده الميز عبد القادر!!

كان آخر لقاء لي بالفنان الكبير د. عبد القادر سالم قبل شهر من الآن، بأم درمان.

 

لقاء قال لي فيه، عندما سألته عن أحواله، إن رحيل (٣٢) من زملائنا المبدعين خلال أعوام الحرب، من الهرم الكبير محمد الأمين مرورًا بالفنان محمد ميرغني وحتى آخر القائمة التي ذكرها لي، قد

“مسخوا ” علينا الحياة برحيلهم، وهم يعيشون التشرد من بيوتهم، والبعد عن أهلهم وجمهورهم الذي أحبوهم وأحبوه، وعن الأرض التي ارتبطوا بها وغنوا لها.

 

ولم يكن يدري أنه سيكون رقم (٣٣) في قائمة الراحلين من المبدعين في زمان الحرب، أولئك الذين كانوا يحلمون بالقضاء على المليشيا وعودة الاستقرار للوطن الذي يحبونه.

 

وعبد القادر الذي رحل عن دنيانا شكّل في حياته ومسيرته حالة استثنائية؛ فهو لم يكن فنانًا عاديًا، وإنما صاحب رسالة كبيرة، ومن أولي العزم. فقد نجح بعد مجيئه من كردفان، وهو يغني: اللورِي حلّ بي ومكتول هواك يا كردفان، في نقل الأغنية الكردفانية إلى القومية، وحصل على الدكتوراة، وصار أستاذًا في الموسيقى السودانية، كما نجح في أن يكون سفيرًا فنيًا للسودان في كل أرجاء العالم، وجعل حتى العجم ينبهرون بـ حليوة يا بسامة وإيقاعات المردوم السوداني ويتفاعلون معها.

 

وبجانب إبداعه الذي جمّل دواخلنا بالدرر الكثيرة، عاش عبد القادر حياته لخدمة زملائه. وطوال السنوات التي كنت فيها مديرًا للثقافة بولاية الخرطوم، كان كثير التردد على الوزارة، حاملًا طلباته التي لا تنقطع، والتي يشهد الله أننا لم نجد يومًا بينها طلبًا واحدًا يخصه؛ بل كانت كلها لزملائه المبدعين المرضى والمحتاجين، الذين كان عبد القادر يحمل همومهم ويتجاوز همه، وكان مع مريضهم حتى يشفى، ومع من يمر بظروف منهِم حتى يتجاوزها.

 

الأمر الذي جعل المقربين للفنان محمد الأمين، عندما قرر دخول انتخابات اتحاد المهن الموسيقية منافسًا لزميله المرشح للرئاسة د. عبد القادر، ينصحونه بألا يفعل، وقد خسر بالفعل عندما «ركب رأسه»، بانحياز الأعضاء للفنان عبد القادر الذي كان شريكهم في السراء والضراء.

 

وكان د. عبد القادر كثيرًا ما يطلب مني التواصل مع وزير الصحة وقتها، الإنسان البروفيسور مأمون حميدة، لعلاج المغني أو العازف الفلاني. ولم يكن يخذلنا الوزير، بل كان يذهب معنا برفقة عبد القادر لزيارة المرضى منهم ويقوم باللازم. وقبل سقوط الإنقاذ، وفي أيام مرض عبد القادر الأول، فاجأه البروف مأمون وشقيقه د. حافظ بزيارته في منزله بأم درمان. وأذكر أن عبد القادر يومها قال للبروف: «نحن من نأتيك، فكيف تأتينا أنت؟» فرد عليه البروف: «من كان يمشي في خدمة زملائه دائمًا، كيف لا نأتيه نحن في مرضه لنقف بجانبه».

 

كما أذكر أيام كنا في قروب «مبدعون» قبل الثورة نزور المبدعين المرضى، وكان د. عبد القادر يرافقنا فيها. إننا عندما دخلنا على بلوم الغرب عبد الرحمن عبد الله في منزله في آخر أيامه قبل رحيله، أمسك بالدكتور عبد القادر وأخذ يبكي ويقول: «جيت معاهم يا الوفي».

 

وأيام كنت مديرًا لإذاعة وفضائية الخرطوم، كنت أحتار لرفض عبد القادر في كل مرة تحديد أجر استضافته مع فرقته في الأعياد والمناسبات، وقوله: «المهم أكرموا العازفين»، وهذا لا يفعله غيره من الفنانين الكبار. كما كان يرفض أي استضافة لا يكون فيها مكتمل الهندام، بحجة أن من يدخل بيوت الناس يجب أن يكون بكامل أناقته احترامًا لهم.

 

فهكذا عاش عبد القادر، الذي أصر على عدم مغادرة منزله طوال الحرب بالخرطوم، ولم ينتقل إلى كرري إلا تحت الضغط عقب اشتداد المعارك. ولإرادة الله أن ينجو من الدانة التي سقطت على منزله ببانت غرب بعد ساعات من مغادرته له.

 

ولم يخرج عبد القادر من الخرطوم إلا بعد تحريرها إلى بورتسودان، برفقة صديقه الراكز بجانبه الأستاذ يوسف عبد المنان. والثانية عندما اشتد عليه المرض، وبادر مخرج الروائع وسفير الإنسانية شكر الله خلف الله، والأستاذ النبيل عادل سنادة، بنقله إلى بورتسودان، واللذين وجدت مبادرتهما الاستجابة من الحكومة التي تبنت علاجه بالخارج.

 

وقد قال لي د. عبد القادر في آخر لقاء إن الحكومة لم تقصر معه في مرضه مؤخرًا، كما ساندَه من قبل البروف مأمون، رد الله غربته. وذكر لي أنه يتمنى أن تنتهي الحرب وتستقر الأحوال في البلاد، ويعود رجل الأعمال السوباط لوطنه ليحتفي به ويشكره على احتفاله بعلاجه بالقاهرة، وطلبه منه هناك أن يختار أكبر عدد من المغنين للحفل الذي نظمه له، متكفلًا بكافة النفقات. كما التزم عقب الحفل بتخصيص شقة له بالقاهرة للإقامة فيها مع أسرته بقية حياته، لكنه اعتذر له عنها، لأن وطنيته التي منعته من الخروج طوال الحرب بالخرطوم تمنعه من الهجرة والعيش أو الموت بعيدًا عن أرض وطنه.

 

فعاد، وشاءت إرادة الله أن يموت في وطنه الذي أحبه.

 

لك الرحمة يا كبير فقد رحلت عنا بجسدك وبقيت بيننا بما تركته من إبداعات واثر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى