مقالات الظهيرة

(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب…. الصيني دَقَس !

يبدو المشهد أكثر وضوحاً مما قد يراه صانع القرار في بكين ، على مدى عقود لم تعرف العلاقات السودانية الصينية أي اهتزاز حقيقي، فقد مدّت الصين خطوط أوردة نفط السودان إلى قلب اقتصادها عبر استثمارات ضخمة قادتها شركة CNPC.

واستفادت من هذا الامتداد الاستراتيجي بما جعل الخرطوم إحدى أكبر محطات الإمداد للطاقة في مشروع النمو الصيني، كانت الشركات الصينية هنا لاعباً أساسياً، وكانت الخرطوم بالنسبة لبكين أرضاً آمنة تستثمر فيها وتربح وتتمدّد بلا منافس حقيقي

 

لكن ما إن اندلعت الحرب حتى رفعت الصين يدها من المشهد، تاركةً استثماراتها تتآكل، ومصالحها تتبخر، ونفوذها يتراجع أمام صمتٍ لا يشبه دولة بحجم الصين، من يقرأ التاريخ القريب يدرك أن الدول الكبرى لا تقف متفرجة حين تُهدَّد مصالحها، الولايات المتحدة فعلت، وفرنسا فعلت.

وروسيا فعلت، وحتى الصين ذاتها ليست جديدة على التدخل العسكري حين تمس مصالحها الجوهرية، فقد أرسلت قواتها إلى كوريا، وخاضت حرباً مع الهند، واصطدمت بفيتنام، وبنت قاعدة عسكرية في جيبوتي، وأطلقت أساطيلها البحرية لحماية طرق التجارة من القرصنة، هذه سلوكيات دولة تعرف أين توضع مصالحها وكيف تُحمى

 

غير أن بكين في السودان تحديداً بدت كمن فقد شهيته للقوة أو كمن قرر أن يغمض عينيه عن حقيقة أن السوق السوداني لم يكن مجرد مساحة اقتصادية، بل كان نقطة ارتكاز حقيقية في معادلة الطاقة الصينية ، كان من المتوقع أن تتحرك الصين، بالتنسيق مع الدولة السودانية، لحماية مصالحها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

كما فعلت قوى كثيرة عندما شعرت أن استثماراتها أو نفوذها في خطر، لكن الصين صمتت، وصمتها كان أعلى من صوت الانفجارات

 

على الطرف الآخر، تظهر الإمارات في كل مرة لتقول إنها تحمي مصالحها في السودان، وقد فعلت ذلك بوضوح عبر دعمها لطرفٍ دون آخر، وبشكلٍ مؤثر في مسار الحرب، هنا يتبدى التناقض: دولة صغيرة نسبياً تتحرك بوضوح لحماية ما تعتبره مصالحها، ودولة كالصين بثقلها العسكري والاقتصادي تتراجع إلى الخلف، كأنها لا ترى ما يجري أو لا تعنيها نتائجه

 

هذا التراجع الصيني لا يمر بلا ثمن، فالصين التي تضع في ميزانيتها السنوية اعتماداً كبيراً على تجارتها مع الدول التي توجد فيها مصالح استراتيجية ستجد نفسها أمام فجوة متزايدة، فقد خسرت في السودان أكبر دولة كانت تعتمد عليها في إيراداتها النفطية الإفريقية، وانكمش حضورها الاقتصادي في لحظة كان يفترض أن تتقدم فيها لا أن تتراجع

 

إني من منصتي أنظر ….حيث أرى ….. أن الصين (دَقَسَت) بالفعل دقسة استراتيجية مكلفة ستدفع ثمنها لاحقاً، بينما تصفق واشنطن لهذا الإنجاز مجاناً، وربما تقهقه على إحدى أكبر الفرص التي أهملتها بكين في قلب القارة، العالم لا يحترم المترددين، ولا يترك الساحات فارغة، وإن لم تتحرك الصين اليوم، ستجد نفسها غداً خارج اللعبة التي كانت يوماً أحد أقوى لاعبيها.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. تُعد أنغولا تاريخياً واحدة من أكبر الدول الإفريقية التي تعتمد عليها الصين بترولياً

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى