مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… جياد… ليس من رأى كمن سمع!

كنت حريصاً، خلال عودتي إلى السودان، على أن تكون زيارة مجموعة جياد الصناعية ضمن أولوياتي، وقد سعدت بتلقي دعوة كريمة من ربان هذه المؤسسة، سعادة الرئيس التنفيذي الأستاذ عبد الله عبد المعروف.

 

والحق أن الرجل تتحدث عنه إنجازاته أكثر مما تستطيع أن تصفه الكلمات، فهناك على أرض الواقع شواهد حية على أن الأحلام، مهما بدت بعيدة، يمكن أن تتحول إلى واقع حين تتوفر الإرادة والإدارة والشغف بالنجاح.

 

جياد للسيارات، جياد للآلات الزراعية، جياد للمعادن، جياد للأثاث والمعدات… وغيرها من خطوط الإنتاج، فضلاً عن طموحات مستقبلية واعدة في مجال المحركات الكهربائية والطاقة الشمسية.

 

إنها ليست مجرد مصانع متفرقة، بل منظومة صناعية تحمل ملامح مشروع وطني كبير، وتقدم إجابة عملية عن سؤال طالما طرحناه: لماذا يظل السودان مستهلكاً لما ينتجه الآخرون، بينما يمتلك من الموارد والإمكانات والعقول ما يؤهله ليكون دولة منتجة ومصنعة؟

 

ما سر هذا النجاح؟

 

قالها الرجل ببساطة، وهو يشرح فلسفة العمل في جياد: «الإدارة بحب».

 

كلمتان تختصران الكثير؛ فالشغف بالعمل، والإيمان بالهدف، وروح الفريق، هي مفاتيح النجاح الحقيقي. فالعمل الجماعي المتجانس يشبه فريق كرة القدم الذي يتبادل لاعبوه الكرة بثقة وانسجام حتى يصلوا بها إلى شباك المنافس. لا بطولة للاعب واحد، ولا نجاح لمؤسسة دون تكاتف كل جنودها.

 

وفي الجولة التفقدية، كان الشرح العملي يتقدم بنا من مرحلة إلى أخرى، وسط أصوات الماكينات وحركة الإنتاج، وخلفها جنود مجهولون يعملون بصمت، ليصنعوا سيارات وآليات ومعدات يمكن أن تكون جزءاً أساسياً من مستقبل السودان.

 

هناك تدرك أن الصناعة ليست شعارات تُرفع، ولا مؤتمرات تُعقد، ولا خططاً تُكتب على الورق؛ الصناعة عمل يومي، وعقول تفكر، وأيدٍ تعمل، وإدارة تعرف ماذا تريد وإلى أين تتجه.

 

الإحلال… معركة الكرامة الاقتصادية

 

توقفت كثيراً عند مفهوم الإحلال، وهو من أهم المفاهيم التي ينبغي أن تحكم مستقبل الاقتصاد السوداني.

 

إحلال المنتج الوطني محل المستورد، ليس لمجرد رفع شعار دعم الصناعة المحلية، وإنما بإنتاج ينافس المستورد، بل يتفوق عليه في الجودة والسعر والخدمة.

 

إننا لا نريد صناعة وطنية محمية من المنافسة إلى الأبد، بل نريد صناعة قادرة على المنافسة، تفتح أسواقاً جديدة، وتوفر العملات الصعبة، وتخلق فرص العمل، وتبني الخبرات، وتعيد للسودان مكانته الإنتاجية.

 

فكل سلعة ننجح في تصنيعها محلياً تعني فاتورة استيراد أقل، وضغطاً أقل على النقد الأجنبي، وفرصة أكبر لتشغيل شبابنا، وخطوة إضافية نحو الاستقلال الاقتصادي.

 

أين الدولة من هذه النماذج؟

 

مثل هذه المؤسسات هي التي يجب أن تتجه إليها بوصلة الدعم الحكومي والرعاية والتحفيز.

 

نريد سياسات صناعية واضحة، وتمويلاً ميسراً، وتسهيلات جمركية وضريبية للمدخلات الإنتاجية، وأولوية في المشتريات الحكومية للمنتج الوطني المطابق للمواصفات، مع فتح الأسواق أمامه ومساعدته على المنافسة والتصدير.

 

لا يعقل أن نطالب المواطن بشراء المنتج المحلي، بينما نترك المصنع يواجه وحده مشكلات التمويل والطاقة والمواد الخام والرسوم والبيروقراطية.

 

دعم الصناعة ليس منحة لأصحاب المصانع، بل استثمار في مستقبل البلاد واقتصادها وأمنها الوطني.

 

لقد خرجت من جياد بانطباع أكبر من مجرد زيارة لمجموعة صناعية؛ خرجت بقناعة أن السودان لا تنقصه الإمكانات بقدر ما تنقصه البيئة التي تسمح للإنتاج بأن ينطلق.

 

وهناك وعود وطموحات كثيرة تحملها جياد للشعب السوداني، ستكشف عنها الأيام القادمة، ونتمنى أن تجد طريقها إلى التنفيذ، وأن تتحول إلى إضافة جديدة في مسيرة الصناعة الوطنية.

 

جياد ليست مجرد اسم على منتج، بل تجربة تستحق أن تُدرس، ونموذج يستحق أن يُدعم، ورسالة بأن السودان قادر على أن يصنع احتياجاته بيد أبنائه.

 

جياد عز السودان…

 

ونحن بكم فخورون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى