د. إسماعيل الحكيم يكتب… كيف تحولت أديس أبابا من شريك تاريخي إلى خاصرة رخوة للعدوان؟!!

أحاول الإجابة على هذا السؤال المطروح في العنوان مجتهداً ، فمنذ منتصف أبريل 2023 لم يكن تمرد المليشيا في السودان نزاعاً محلياً وسعياً نحو السلطة، ولا حتى مغامرةً رعناء لمليشيا إرهابية مستأجرة؛ إنما كان منذ لحظته الأولى بؤرة استقطاب إقليمية ودولية ظلت تتكشّف خيوطها يوماً بعد يوم.
وحين ينتقل العدوان من غفلَة الداخل بسلاح الوكالة المتمثل في مليشيا آل دقلو الإرهابية، إلى سافرِ الخارج عبر طعنة غادرة من جارٍ طالما تقاسم مع السودان خبز النيل وجغرافية التاريخ —أعني إثيوبيا— فإن المشهد يرتقي إلى مستوى التحول الجيوسياسي الخطير الذي يفرض تفكيكاً عميقاً لدوافعه وخلفياته الخفية. إن العلاقات السودانية الإثيوبية لم تكن عادية يوماً؛ فهي تقوم على تشابك ديموغرافي وثقافي واقتصادي وتاريخي طويل، ولذلك فإن انزلاق أديس أبابا من موقع الشريك أو حتى الحياد الإيجابي إلى التورط المباشر في استهداف الأعيان المدنية والبنية التحتية.
كمحطات الكهرباء عبر مسيرات انطلقت من أراضيها وثبتت بالأدلة القاطعة والحقائق الدامغة التي قدمتها الحكومة السودانية، لا يمثل لمجرد خرق للقوانين الدولية وأعراف حسن الجوار، ولكن يمثل انتحاراً استراتيجياً للمصالح الإثيوبية على المدى الطويل، فالجار الذي يحفر حفرة لجاره في لحظة ضعفه المزعوم إنما يهدم جدار الأمان الأخير الذي يقيه رياح الأزمات العاتية التي تعصف بالقرن الأفريقي، وقد اختارت القيادة الإثيوبية أن ترهن قرارها السيادي لتقاطعات أجندة إقليمية ودولية أوسع، متصورةً واهمةً أن إضعاف الدولة السودانية وتفتيت مؤسساتها سيخلق لها مجالاً حيوياً ومساحة نفوذ بلا رقيب.
وبعيداً عن السطح الظاهر للحدث، تتكشف أبعاد غير منظورة تفسر هذا السلوك الإثيوبي المتناقض مع أبسط قواعد الحكمة السياسية؛ فالدول والدوائر الاستراتيجية في أديس أبابا تدرك جيداً أن السودان القوي والمستقر والموحد بجيشه الوطني هو المظلة والظهير الطبيعي لأي توازن إقليمي.
ولأن إثيوبيا تعاني أصلاً من تشققات عرقية عميقة وانفجارات داخلية متلاحقة، فإنها تخشى عودة السودان لدوره القيادي الذي قد يفرز معادلات إقليمية لا تخدم طموحات الهيمنة الأحادية.
يضاف إلى ذلك فهم قاصٍ لدى الجانب الإثيوبي بأن توريط السودان في أزماته الوجودية سيخفف الضغط عنه في ملفات كبرى عالقة كسد النهضة والخلافات الحدودية في الفشقة، فضلاً عن استرضاء قوى إقليمية ودولية تقدم الدعم المالي والسياسي لأديس أبابا مقابل أداء أدوار وظيفية محددة في خاصرة السودان الرخوة.
إذ راهنت أديس أبابا متبعة خطى رعاتها من أعداء السودان على أن الدولة السودانية قد سقطت في غياهب الانهيار التام، وأن تقديم الدعم اللوجستي والميداني للمليشيا الإرهابية وصولاً إلى التدخل المباشر بالمسيرات لن يواجه بتكلفة باهظة، وهو رهان فاشل يسقط دائماً أمام صخرة الوعي الوطني الجمعي وصلابة المؤسسة العسكرية التي التف حولها الشعب السوداني إدراكاً منه لحجم المؤامرة الكونية ضده.
إن العدوان المباشر الذي تقوده أثيوبيا بالوكالة ثم بالأصالة عبر استهداف مقدرات الشعب السوداني ومحطات طاقته لن يفلح في كسر إرادة الأمة السودانية، بل إنه يفرز تداعيات عكسية بالغة الخطورة على أديس أبابا نفسها؛ فقد قضت أثيوبيا بقرارها الأخير على رصيد عقود من الدبلوماسية الشعبية وحفرت في وجدان الجيل الحالي والأجيال القادمة في السودان صورة الجار الغادر، وهو جرح يصعب التئامه بسهولة
كما أن استعداء السودان يفتح الباب واسعاً أمام الخرطوم لاستخدام أوراق قوة استراتيجية هائلة وظفت طويلاً بحكمة وتأني، بدءاً من التواصل مع القوى الإقليمية المتضررة من السياسات الإثيوبية، مروراً بإعادة التموضع في ملفات القرن الأفريقي بحسم ودون مهادنة. إن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات والأنظمة والكيانات المؤقتة تذهب وتجيء.
لكن الأمم الحية وفي طليعتها الشعب السوداني وجيشه الباسل تخرج من أتون المحن أشد صلابة وأكثر وعياً بحقيقة الأصدقاء والخصوم، وإن محاولات تمدد العدوان لتنفيذ أجندات الخارج على حساب دماء السودانيين واستقرارهم محكوم عليها بالخسران المبين، وحين تضع الحرب أوزارها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وسيدرك الجار المتربص أن ثمن الخيانة الاستراتيجية أعلى بكثير من أي مكاسب وهمية ظن أنه سيجنيها من وراء دمار السودان.



