مقالات الظهيرة

د. إسماعيل الحكيم يكتب… سادن الهيبة وشهاب الحجة: الحارث إدريس والنضال السياسي في منبر العالم

«خَسِئْتُمْ بِشِسْسِ نَعْلِ كُلَيْبٍ».. قذيفة لغوية أطلقها السفير الحارث إدريس تحت قبة الأمم المتحدة، مقتطعاً من التراث العربي جمرته الأكثر اشتعالاً ليرمي بها في وجوه صُنّاع الزور. إشهارٌ خاطفٌ لرمزية الاستهانة، استحضر فيه تاريخاً كاملاً من الأنفة والترفع، محولاً لغة البروتوكول الباردة إلى ساحة ثأر رمزي، يُقاس فيها حجم الخصم بقدر شسعٍ قديم لا يستحق حتى الالتفات.

ينتسب هذا الأداء إلى شجرة عتيقة من الكبرياء السياسي؛ إذ يقف الحارث إدريس امتداداً أصيلاً لجينوسة دبلوماسية سودانية باذخة، شق مسارها إسماعيل الأزهري ومحمد أحمد المحجوب بحضور الذهن ونصاعة المنطق في مؤتمرات الجمعية العامة والقمم العربية. يتصل هذا الخيط الذهبي بعبقرية منصور خالد، ورصانة أحمد سليمان، وثبات مبارك زروق؛ أولئك الذين أرسوا أدبيات المحاججة وسحر البيان في أعتى المحافل الدولية، وجعلوا من الدبلوماسية السودانية سلطة معرفية وأخلاقية يُحسب لها ألف حساب.

يمارس الحارث هذا النزال بوعي الجراح؛ إذ يمتلك مخزوناً معرفياً وثقافياً يصوّبه بدقة في لحظة المواجهة الحاسمة. بعيداً عن الأساليب المستهلكة، ليتكئ على معجم سيادي يقلب الطاولة، محيلاً المناورات الإقليمية ومسارات الدعم العابر للحدود عبر النوافذ المجاورة والتكتلات الراعية إلى ملفات مكشوفة يُحاصرها بالوثيقة الرصينة والرقم الذي لا يرحم.

تتجلى الدبلوماسية الهجومية هنا في أبهى صورها؛ نزالٌ يتكامل عضدياً مع ثبات الميدان العسكري وصلابة البناء الأقسامي للدولة. فبينما تحمي البندقية الجغرافيا، تذود الكلمة الحرة عن الشرعية الوطنية والقرار المستقل. يظل الحارث حارساً متقداً لكرامة البلاد، يمارس قطيعته المطلقة مع الهوان، ويفرض احترام السودان في أعتى أروقة القرار العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى