مقالات الظهيرة

د. عبد الوهاب عبد الفضيل يكتب… اغتيال الرموز معنويًا في عصر الإعلام الرقمي!!

لم يعد اغتيال الشخصيات والرموز في عصرنا يحتاج إلى رصاصة؛ فقد أصبحت الكلمة، والصورة، والمقطع المجتزأ، والمنشور المجهول، أدوات قادرة على اغتيال السمعة في دقائق.

في عصر الإعلام الرقمي، أصبح الإنسان قادرًا على صناعة رواية كاملة حول شخصية ما، ثم نشرها على نطاق واسع قبل أن تتاح للآخر فرصة الدفاع عن نفسه أو توضيح الحقيقة.

وهنا تكمن خطورة الاغتيال المعنوي للرموز؛ إذ لا يستهدف الجسد، وإنما يستهدف الصورة الذهنية، والثقة، والمكانة التي بناها الإنسان عبر سنوات طويلة.

وقد يكون الرمز عالمًا، أو معلّمًا، أو داعية، أو أستاذًا، أو إعلاميًا، أو شخصية مجتمعية. ومهما بلغت مكانته، فهو ليس فوق النقد، لكن النقد شيء، والتشويه شيء آخر.

النقد يناقش الفكرة، أما الاغتيال المعنوي فيستهدف الإنسان.

ومن النماذج التي تفرض علينا التأمل شخصية شيخ الزين، وهو من حفظة كتاب الله تعالى، ارتبط اسمه بالقرآن والتلاوة وحضور واسع في الوجدان السوداني.

إن الاختلاف مع أي شخصية عامة حق مشروع، وطرح الأسئلة حق، والنقد المسؤول ضرورة، لكن تحويل الاختلاف إلى حملات تشويه أو اجتزاء المواقف أو تداول معلومات غير موثقة لا يخدم الحقيقة، ولا يحمي المجتمع من الخطأ؛ بل قد يصنع ظلمًا جديدًا.

المشكلة في الإعلام الرقمي ليست فقط في سرعة انتشار المعلومة، وإنما في أن المعلومة الخاطئة قد تنتشر أسرع من تصحيحها، وأن الصورة السلبية قد تترسخ في الذاكرة قبل أن تصل الحقيقة.

لذلك أصبح التحقق مسؤولية أخلاقية، وليس مجرد مهارة إعلامية.

قبل أن نعيد نشر مقطع، علينا أن نسأل: هل أعرف سياقه؟

وقبل أن نصدق اتهامًا: ما مصدره؟

وقبل أن نحكم على شخص: هل استمعنا إلى روايته؟

وقبل أن نشارك في حملة ضد رمز: هل نعرف الحقيقة كاملة؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في مجتمع هو أن يتحول الإعلام من وسيلة للبحث عن الحقيقة إلى أداة لصناعة الإدانة.

فالرموز ليست معصومة من الخطأ، لكنها أيضًا ليست مباحة للتشويه.

نحن بحاجة إلى ثقافة نقد تحترم الإنسان، وإعلام يتحرى الحقيقة، وجمهور يدرك أن ضغطة زر قد تصنع ظلمًا لا يمكن التراجع عن آثاره بسهولة.

وفي النهاية، فإن حماية الرموز من الاغتيال المعنوي لا تعني منع النقد، وإنما تعني أن يكون نقدنا عادلًا، ومعلوماتنا موثقة، ولغتنا مسؤولة.

ففي زمن الإعلام الرقمي، قد تُغتال سمعة إنسان في دقيقة… بينما يحتاج استردادها إلى سنوات.

وهنا يصبح السؤال:

هل نستخدم الإعلام الرقمي لكشف الحقيقة، أم نسمح له بأن يتحول إلى محكمة بلا قاضٍ ولا دليل؟

 

 

whba938@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى