د. عبد الوهاب عبد الفضيل يكتب… كيف تنتصر الدولة السودانية؟

الانتصار الحقيقي للسودان ليس أن تنتصر جهة على جهة، ولا أن يخرج طرف من الحرب منتصراً ويخرج الوطن مثقلاً بالجراح؛ بل أن تنتصر الدولة السودانية، وأن يستعيد الوطن عافيته ووحدته وقدرته على صناعة المستقبل.
فالدولة لا تنتصر بالسلاح وحده، وإنما تنتصر حين تصبح مؤسساتها أقوى من الأفراد، والقانون أعلى من الجميع، والمواطنة أسبق من الانتماءات الضيقة.
لقد كشفت الحرب أن السودان لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء ما دمرته المعارك، وإنما يحتاج إلى إعادة بناء الدولة نفسها: مؤسسات قوية، وإدارة كفؤة، وعدالة ناجزة، وخدمات تصل إلى المواطن، واقتصاد منتج، وتعليم يعيد صناعة الإنسان السوداني. وهذه الأولويات تتفق مع الطروحات المطروحة حالياً حول الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء الدولة واستعادة الخدمات الأساسية.
وتبدأ مسيرة الانتصار من السلام؛ فالسلام ليس مجرد توقف للرصاص، وإنما هو مشروع وطني لإعادة بناء الثقة بين السودانيين، ومعالجة جذور الصراع، وإعلاء قيمة الحوار على منطق القوة.
ثم يأتي بناء دولة المؤسسات. فالسودان لا يمكن أن يستقر إذا ظلت الدولة رهينة للأشخاص أو الأحزاب أو الجماعات أو الولاءات الجهوية. الدولة التي تنتصر هي التي يكون فيها المنصب مسؤولية، والوظيفة العامة خدمة، والقرار محكوماً بالقانون والكفاءة والمصلحة الوطنية.
والانتصار يحتاج كذلك إلى اقتصاد قوي. السودان يمتلك موارد زراعية وحيوانية ومعدنية وبشرية هائلة، لكن الثروة لا تصنع نهضة إذا لم تتحول إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل. لذلك فإن إعادة الإعمار يجب ألا تكون مجرد إعادة تشييد للمباني والطرق، بل إعادة تشغيل لعجلة الإنتاج.
كما أن السودان لن ينتصر إذا ترك الإنسان السوداني خلفه. فالمدرسة والجامعة والمستشفى والإعلام والثقافة ليست خدمات هامشية، وإنما هي أدوات لبناء الدولة والمجتمع. ومن هنا تأتي أهمية الاستثمار في الإنسان والمعرفة والبحث العلمي، وربط التعليم بحاجات التنمية.
وفي زمن التحول الرقمي، أصبحت الدولة الذكية جزءاً من قوة الدولة الحديثة. ومن المؤشرات المهمة أن السودان بدأ بالفعل خطوات في مجال التحول الرقمي والأمن السيبراني والبنية الرقمية الحكومية.
لكن فوق كل ذلك، يحتاج السودان إلى عقد وطني جديد؛ عقد يجعل السودان وطناً للجميع، لا غنيمة لأحد، ويضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الخاصة.
إن الدولة السودانية تنتصر عندما يشعر المواطن في دارفور والجزيرة وكردفان والشرق والشمال والخرطوم بأن حقوقه واحدة، وكرامته واحدة، ومستقبله واحد.
وتنتصر عندما يصبح اختلافنا السياسي وسيلة للتنافس على خدمة الوطن، لا سبباً لتدميره.
وتنتصر عندما يصبح الجيش مؤسسة وطنية، والشرطة لحماية المواطن، والقضاء مستقلاً، والإدارة قائمة على الكفاءة، والإعلام مسؤولاً عن بناء الوعي لا صناعة الفتنة.
إن معركة السودان القادمة يجب أن تكون معركة بناء.
بناء الإنسان، وبناء المؤسسات، وبناء الاقتصاد، وبناء الثقة، وبناء دولة لا تهتز كلما تغير الأشخاص أو الحكومات.
فالحرب قد تدمر المدن، لكنها لا تستطيع أن تهزم شعباً يؤمن بوطنه.
والسودان لا يحتاج إلى منتصرين في السياسة بقدر ما يحتاج إلى انتصار الوطن.
whba938@gmail.com



