مقالات الظهيرة

علاء الدين محمد أبكر يكتب…. الشرطة السودانية : تاريخ عامر بالبطولة والإنجازات

الشرطة ليست بندقيةً وسوارًا من الحديد، بل هي عهد. عهدٌ بين رجلٍ آلى على نفسه أن ينام الناس ويبقى هو ساهرًا. في السودان، للشرطي هيبةٌ خاصة، هيبة صنعتها قصص الأمانة، وسرعة كشف الجريمة، وأثر القدم في الرمل.

ومن “البوليس” في عهد الإنجليز إلى “شرطة السودان” اليوم، ظلت المؤسسة الضامن الأول لسكينة المواطن، والشاهد على أن الأمانة لا تموت.

 

قبل أن تُعرف الشرطة بشكلها الحديث، كان المجتمع السوداني يحرس نفسه بنفسه عبر “النفير” و”الفزع”. فإذا سُرق بعير، خرجت القرية كلها تتعقب الأثر. ومع دخول الحكم التركي عام 1821م بدأت ملامح الشرطة تتشكل تحت اسم “الضبطية”. لكن الميلاد الحقيقي كان مع إعادة تأسيسها في عهد الحكم الثنائي عام 1899م. أُنشئت “قوة بوليس السودان” لحفظ الأمن في المدن الكبرى، ثم تمددت إلى الأرياف. كان الشرطي الأول يمشي على قدميه، وسلاحه عصًا، ورأس ماله أمانته. وبعد الاستقلال عام 1956م، صارت “شرطة السودان” سودانيةً خالصة. تغير الزي، وتطورت الأدوات، لكن العقيدة بقيت: حماية المواطن شرف، والمال العام أمانة، والعدالة لا تعرف كبيرًا.

 

تاريخ الشرطة السودانية مليء بقصص الانضباط التي لا يمحوها الزمن. ففي ستينيات القرن الماضي، عثر شرطي مرور في موقف أم درمان على حقيبة بها مبلغ ضخم من المال يخص تاجرًا قادمًا من الأبيض. يومها كان المبلغ يشتري بيتًا. حملها الشرطي إلى قسم “أبو سعد” وسلمها بأمر تحرٍّ. ظل التاجر يبكي وهو يستلم ماله، وقال جملته الشهيرة: “الشرطة دي لو ما أمينة، البلد دي ما بتقوم ليها قايمة”. وصارت القصة مثلًا يُروى في مجالس كبار السن.

 

وفي الثمانينيات، سرق لصوص حمولة قطار قادم من بورتسودان. كان ضمن القوة شرطي يُدعى “ود الحاج”. تتبع الخيط من “مسمار” سقط من جوال، حتى وصل إلى مخزن في أطراف عطبرة. أعاد البضاعة كاملة، ورفض “الحلاوة” التي عرضها عليه صاحب البضاعة، وقال: “أنا راتبي فيه بركة، وبركة الحكومة ما دايرة زيادة”. هذه القصص ليست استثناءً، بل هي القاعدة التي تربى عليها جندي الشرطة. فالضابط الذي يرفض الرشوة في نقطة العبور، والجندي الذي يعيد طفلًا تائهًا إلى أهله في منتصف الليل، كلها شواهد على أن الانضباط سلوك يومي.

 

اشتهرت الشرطة السودانية بسرعة فك طلاسم الجرائم، خاصة الجرائم الغامضة. والسر في ذلك يعود إلى ثلاثة أشياء: المباحث المركزية، والمعامل الجنائية، والمواطن الواعي. ومن أشهر الوقائع جريمة قتل تاجر الذهب في سوق سعد قشرة عام 2003م. لم يترك الجاني أثرًا سوى “شعرة” عالقة في خزنة مكسورة. وخلال 72 ساعة، كانت المعامل الجنائية قد حددت صاحب الشعرة، وألقت المباحث القبض عليه في مدينة مدني. وقال مدير المباحث يومها: “المجرم بفتكر نفسه أذكى من الحكومة، لكن نحن عندنا صبر الجمل وعين الصقر”.

 

ويملك السودان عناصر متميزة في المباحث، تعمل في ظروف شاقة ومن دون أدوات تقنية حديثة، لكن الله سبحانه وتعالى منحها ذكاءً وفراسةً وقدرةً على كشف الجريمة في وقت قياسي. ففي زمن لم تكن فيه الأجهزة الإلكترونية الحديثة متوفرة، كانت المباحث السودانية تتفوق بكفاءتها العالية. وهذا دليل على أن العقل السوداني قادر على العمل والإبداع في كل الظروف والأوقات.

 

وإذا كانت المعامل الجنائية عقل الشرطة، فإن “قصاصي الأثر” هم عيونها في الخلاء. وهذه الوحدة الفريدة ورثت مهنتها من القبائل التي تعمل في رعي الإبل. فقاص الأثر يقرأ الرمل كما يقرأ الإنسان الكتاب. ومن نوادرهم ما حدث في دارفور عام 1995م، حين سُرقت 200 رأس من الإبل. خرج “ود بشارة”، أشهر قصاص أثر في نيالا، ومعه شرطيان فقط. تتبع الأثر أربعة أيام عبر الوديان. كان يميز بين أثر البعير السليم والبعير الأعرج، وبين أثر الرجل الخائف والرجل المطمئن. وقال لرفاقه: “اللصوص ديل معاهم زول رِجلُو الشمال أقصر من اليمين، وبعيرهم الأحمر مجروح في الركبة”. وعند ظهيرة اليوم الرابع وجدوا اللصوص نائمين، والإبل مربوطة، فأعادوها كاملة.

 

قصاص الأثر لا يعتمد على التكنولوجيا، بل على الفراسة والخبرة. فهو يعرف عمر الأثر بالساعة، ويعرف إن كان صاحبه يحمل ثقلًا أم لا. إنهم “الكاميرات الحرارية” التي صنعها تراب السودان.

 

تعمل الشرطة اليوم على تأمين المواطن عبر وحدات متعددة. فشرطة النجدة “999” تصلك قبل أن يجف عرقك من الخوف. والشرطة العامة ترابط في الأسواق والمواقف، وتفض النزاعات قبل أن تتفاقم. أما المباحث والشرطة الأمنية فهما عين ساهرة على معتادي الإجرام. ويقاتل الدفاع المدني الحرائق كما يقاتل الجندي في المعركة، بينما تنظم شرطة المرور الفوضى في شوارع أنهكتها الحرب والضيق.

 

وفي الحرب الأخيرة، رأينا الشرطي يقف في التقاطع، ويحرس البنك بلا كهرباء، ويسعف الجريح من دون سيارة إسعاف؛ لأن عقيدة الشرطي السوداني بسيطة: “المواطن أولًا”.

 

وليست الشرطة بعيدة عن المجتمع، فهناك الكثير من رموزها ممن تركوا بصمات واضحة في الرياضة والشعر والأدب. فمن الشرطة خرج الشاعر الكبير أبو آمنة حامد، ومنها الفريق إبراهيم عبد الكريم، الرجل الذي جمع بين الضبط العسكري وحب الرياضة. وهناك عدد لا يُحصى من أبناء الشرطة في مجالس إدارات الأندية الرياضية، خاصة قطبي القمة: المريخ والهلال. تجدهم في المنشط والمكتب، يديرون ويخططون ويشجعون؛ لأن الشرطي ابن هذا الشعب، يفرح لفرحه ويحزن لحزنه. فالبندقية في يده وقت الواجب، والقلم في يده وقت الإبداع، والكورة في قلبه مساء الجمعة. لذلك لم تكن الشرطة يومًا برجًا عاجيًا، بل كانت من الناس وإلى الناس.

 

وقد استفادت كثير من الدول العربية من خبرات الشرطة السودانية عبر التدريب والتأهيل والعمل، خاصة دول الخليج العربي في سبعينيات القرن الماضي. وكان رجال الشرطة السودانية خير سفراء للوطن، نقلوا الانضباط والأمانة والمهنية إلى ميادين التدريب في تلك الدول. أسسوا المعاهد، ودربوا الأجيال، وتركوا بصمة لا تُنسى في سجلات الأمن العربي.

 

إن الشرطة السودانية تاريخ عامر بالبطولة والتضحية والفداء والمحافظة على أمن المواطن. وهي الدواء الناجع لأمراض المجتمع، وخنجر في خاصرة اللصوص. فشرطة السودان قوة ويقظة وأمان. ومنذ أن أقسم أول شرطي سوداني على المصحف أن يصون الأرض والعِرض، ظل القسم ساري المفعول. تغيرت الحكومات، وتبدلت الأنظمة، لكن بقيت الشرطة هي التي تحرس “الحِلّة”.

 

والشرطة السودانية ليست ملائكة، ففيها بشر يخطئون ويصيبون، لكن تاريخها الأبيض أكبر من أي نقطة سوداء. إنه تاريخ كتبه “ود الحاج” بأمانته، و”ود بشارة” بفراسته، و”أبو آمنة حامد” بشعره، والضابط الذي رفض أن يبيع ضميره بجنيه. فإذا رأيت شرطيًا في الشارع، فاعلم أن وراءه إرثًا من مئة عام من السهر، واعلم أن هذا الوطن ما زال بخير ما دام فيه رجل يلبس الأزرق ويقول: “أمنك مسؤوليتي”.

 

وتُعتبر الشرطة السودانية من أميز أجهزة الشرطة في أفريقيا من حيث النزاهة والشرف. ومن الشعب ألف تحية لرجال الشرطة السودانية. حفظ الله السودان، وحفظ شرطته الباسلة.

 

علاء الدين محمد ابكر alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى