قراءة تحليلية استراتيجية: فخ الكيميائي… كيف أفشل السودان محاولة تدويل الحرب أمام مجلس الأمن؟

بقلم: الدكتور محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
لم يعد اتهام دولة ذات سيادة باستخدام أسلحة كيميائية مجرد تصريح إعلامي عابر، بل هو الانتقال المباشر من خانة الصراع الداخلي إلى خانة تهديد السلم والأمن الدوليين، وهو المفتاح الذي تفتح به أبواب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وفي هذا الإطار جاءت الجلسة التي وقف فيها مندوب السودان أمام مجلس الأمن ليفند الاتهامات الأمريكية التي تحدثت عن استخدام أسلحة كيميائية خلال حرب السودان.
مؤكداً فشل واشنطن في تقديم أي دليل مادي أو تقرير فني يثبت صحة مزاعمها. إن توقيت هذا الاتهام وطبيعته يكشفان أنه ليس حدثاً معزولاً، وإنما حلقة ضمن حرب من نوع جديد تسبق الميدان وتوازيه، هي حرب السردية وصراع الرواية الذي أصبح يحدد الشرعية الدولية قبل أن يحددها الرصاص.
إذا أردنا تشريح الاتهام الأمريكي بمنهج استراتيجي فسنجد أنه يستهدف ثلاثة أهداف في آن واحد. الهدف الأول قانوني بامتياز، ففتح ملف الأسلحة الكيميائية يمنح مجلس الأمن الذريعة اللازمة لفرض حظر سلاح أو عقوبات فردية أو تفويض تحقيقات دولية، وهو بذلك بمثابة المفتاح الذي يفتح الباب أمام التدخل الدولي تحت غطاء القانون.
أما الهدف الثاني فهو معنوي وإعلامي، إذ إن ربط القوات المسلحة السودانية بالكيميائي هو محاولة لربطها ضمناً بتنظيمات مصنفة إرهابياً وبأنظمة اعتبرها المجتمع الدولي منبوذة، بهدف تجريدها من أي شرعية داخلية أو إقليمية أو دولية وجعلها دولة منبوذة حتى من شركائها المحتملين.
والهدف الثالث تفاوضي، فرفع سقف الاتهام إلى أقصى درجة قبل أي مسار تفاوضي قادم يتيح لاحقاً إمكانية المساومة على إسقاطه مقابل تنازلات سياسية وعسكرية. غير أن نقطة الضعف القاتلة في هذا الاتهام تكمن فيما أكده الرد السوداني، وهو غياب البينة. وفي القانون الدولي البينة على من ادعى، وطالما لم تقدم الولايات المتحدة أي دليل فإن الاتهام يتحول من أداة ضغط إلى عبء يرتد على مصداقية من أطلقه.
أما الرد السوداني فلم يكن مجرد نفي تقليدي، بل كان نموذجاً لما يمكن تسميته بدبلوماسية الدفاع الهجومي. فقد بدأ المندوب السوداني بنفي قاطع وحاسم يغلق الباب القانوني من أساسه، فطالما لم يحدث الأمر فلا يوجد محل للتحقيق أصلاً. ثم انتقل إلى فضح غياب الأدلة الأمريكية وتحويل واشنطن من موقع المدعي إلى موقع المتهم بالتضليل وتسييس عمل مجلس الأمن في توقيت حساس.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تقدم السودان خطوة إلى الأمام بدعوة صريحة لإرسال بعثة تقصي حقائق محايدة، وهذه الدعوة في ذاتها رسالة استراتيجية بالغة الأهمية، لأن من يطلب الحقيقة لا يخشاها، ومن يطلبها أولاً يفرض شروطها، وبذلك يسحب السودان البساط من تحت أي محاولة لتشكيل لجنة منحازة.
واختتم الرد بالتأكيد على الالتزام الكامل باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ليعيد تموضع السودان في خانة الدولة الملتزمة بالقانون الدولي مقابل محاولة تصويره كدولة مارقة.
إن ساحة المعركة الحقيقية لم تكن في قاعة مجلس الأمن فحسب، بل في موازين القوى داخله. فالمجلس اليوم منقسم بين معسكر غربي تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ويسعى إلى إدانة، وبين معسكر ممانعة تقوده روسيا والصين ويرفض أي قرار يمس سيادة الدول دون أدلة دامغة، وفي الوسط تقف المجموعة العربية والإفريقية التي تمثل كفة الميزان الحقيقية. ويصبح نجاح الموقف السوداني مرهوناً بقدرته على كسب تأييد المجموعة العربية والإفريقية عبر خطاب سيادي واضح يرفض التدخل الخارجي، وبقدرته في الوقت ذاته على الاعتماد على الدرع الذي يوفره الفيتو الروسي والصيني في حال تم طرح مشروع قرار للإدانة. وهنا يكتسب التأكيد السوداني على غياب الأدلة أهمية مضاعفة، لأنه يمنح روسيا والصين ذخيرة قانونية وسياسية قوية لنسف أي مشروع قرار يستند إلى اتهام مرسل.
وبالنظر إلى المستقبل فإننا أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة. السيناريو الأول هو موت الاتهام، وذلك في حال عجزت الولايات المتحدة عن تقديم أدلة خلال فترة زمنية محددة 30 يوماَ، وعندها سيتحول الملف إلى وصمة على مصداقية واشنطن داخل أروقة المجلس.
والسيناريو الثاني هو تشكيل لجنة تقصي حقائق، وهو ما قد يحدث تحت الضغط الأمريكي، وهنا تكمن الخطورة والفرصة معاً، فالخطورة في إمكانية تسييس اللجنة، والفرصة في أن السودان هو من بادر بطلبها، مما يتيح له المطالبة بشروط تضمن السيادة الكاملة وتشرك الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية في عملها. أما السيناريو الثالث فهو التصعيد الإعلامي، فحتى لو فشل الاتهام قانونياً فإنه سيظل يستخدم في الحملات الإعلامية لشيطنة المؤسسة العسكرية وقطع الطريق أمام أي دعم محتمل لها.
ولا يمكن فصل توقيت إطلاق الاتهام عن سياقه الميداني والسياسي. إن طرح ملف الكيميائي في هذه المرحلة بالذات لا يأتي من فراغ، بل يتزامن مع تحولات على الأرض ومحاولات لإعادة تشكيل مسار التسوية السياسية. فعندما يتعثر الحسم العسكري وتبدأ ملامح توازن جديد في الظهور، يلجأ بعض الأطراف إلى نقل المعركة إلى ساحة مجلس الأمن لصناعة تفوق معنوي وقانوني يعوض العجز الميداني.
كما أن الاتهام يأتي قبيل أي حديث عن مفاوضات محتملة، بهدف رفع سقف الشروط وتجريم طرف على حساب آخر قبل الجلوس إلى الطاولة. بذلك يصبح “فخ الكيميائي” أداة ضغط مزدوجة، فهو سلاح في الإعلام لتدمير السمعة، وسلاح في السياسة لفرض شروط استسلام مقنعة. وإدراك السودان لهذه العلاقة العضوية بين الميدان والدبلوماسية هو ما جعله يتعامل مع الاتهام لا كقضية قانونية فحسب، بل كمحاولة لتدويل الحرب وإخراجها من إطارها الوطني.
إن الخلاصة التي يمكن الخروج بها من هذه الواقعة هي أن معركة الرواية اليوم باتت أهم من معركة السلاح. فالطرف الذي ينجح في فرض سرديته هو الذي يملك الشرعية، والطرف الذي يملك الأدلة هو الذي يملك القرار. وقد نجح السودان في هذه الجولة في ثلاث نقاط مفصلية.
أولها إفشال الضربة الأولى بطلب الدليل الذي لا تملكه واشنطن، وثانيها استعادة المبادرة وتحويل الاتهام إلى دليل على التسييس الأمريكي، وثالثها وضع الكرة في ملعب الطرف الآخر بعرض بعثة تقصي حقائق. لكن ذلك لا يعني نهاية المواجهة.
فالقادم سيكون حرب تسريبات وصور وأقمار صناعية مزعومة، ولذلك فإن التوصية الاستراتيجية تقتضي أن يسبق السودان خصومه بخطوة، بأن يشكل فريقاً قانونياً وإعلامياً دولياً، وأن يوثق كل شيء، وأن يفتح الباب أمام الصحافة المحايدة. ففي حرب اليوم أفضل وسيلة للدفاع هي الهجوم بالشفافية، لأن الكيميائي ليس سلاحاً بالضرورة، إنه كلمة، ومن يملك تعريف الكلمة هو الذي يملك إدارة الحرب.



