مقالات الظهيرة

السودان في الظلام: من إجهاض المشاريع إلى تدمير الشبكة.. تشخيص استراتيجي لأزمة الكهرباء وخارطة طريق للإنقاذ

بقلم: الدكتور محمد عوض محمد متولى

المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

لم يعد انقطاع الكهرباء في السودان لما يقارب العشرين ساعة يومياً مجرد عجز في التوليد أو برمجة أحمال يمكن تبريرها بظروف طارئة. لقد تحول إلى انهيار كامل لمنظومة الدولة.

مستشفيات تعمل بلا أكسجين، ومصانع توقفت خطوطها، ومياه شرب لم تعد تصل للمنازل، وتعليم انهار مع توقف الاتصال، وبنوك شلت حركتها، واقتصاد فقد نبضه اليومي.

هذا الواقع القاسي ليس وليد الصدفة ولا نتيجة عطل فني يمكن إصلاحه بقطعة غيار. هو المحصلة النهائية لثلاث صدمات كبرى ضربت قطاع الكهرباء في السودان خلال العقد الأخير.

الصدمة الأولى كانت إدارية بامتياز، وتمثلت في إجهاض متعمد لمشاريع كان من شأنها أن تضاعف الإنتاج وتؤمن احتياطياً آمناً للبلاد. والصدمة الثانية كانت تشغيلية وهيكلية، حين تآكلت القدرات الفنية وتوقفت المصانع المحلية التي كانت تمد الشبكة باحتياجاتها. أما الصدمة الثالثة فكانت الأعنف والأكثر تدميراً، وتمثلت في استهداف الحرب المباشر لعصب الدولة: شبكة الكهرباء بكل مكوناتها. المواطن السوداني المغلوب على أمره لم يعد يسأل عن تفاصيل الميغاواط أو أسباب البرمجة، بل صار يسأل سؤالاً وجودياً واحداً: لماذا وصلنا إلى هنا، ومن يتحمل المسؤولية، ومتى سيعود النور إلى بيوتنا.

 

للعودة بجذور الأزمة يجب أن نستعيد ما حدث في الفترة من 2008م إلى 2015م. بحسب الإفادات الرسمية للمهندس عمر عثمان المدير العام الأسبق للهيئة القومية للكهرباء، شهد القطاع خلال تلك السنوات نهضة واضحة.

فقد ارتفع الإنتاج الكلي من 980 ميقاواط في عام 2008م إلى 3600 ميقاواط في عام 2015م. هذا الارتفاع لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة لدخول سد مروي وتعلية خزان الرصيرص وإنشاء مجمع سدي أعالي عطبرة وستيت في مجال التوليد المائي، إلى جانب التوسع الكبير في التوليد الحراري عبر محطات أم دباكر وبحري الحرارية ومحطة قري. وفي نفس الوقت تم مد 3800 كيلومتر من خطوط النقل وإنشاء 18 محطة نقل جهد عالي و52 محطة توزيع لتغطي رقعة أوسع من البلاد. الأهم من ذلك كله أن الدولة بدأت حينها في توطين صناعة مدخلات الشبكة،

فأنشأت مصانع للعدادات والأعمدة والمحولات والموصلات بهدف تقليل التكلفة وتقليص الفاقد الذي كان يبلغ 3 بالمئة فقط في النقل و19 بالمئة في التوزيع. وكانت الرؤية أكبر من ذلك بكثير، إذ وضعت الخطة القومية للفترة من 2013م إلى 2025م هدفاً طموحاً يتمثل في الوصول إلى 15000 ميقاواط، وهو رقم كان كفيلاً لا بحل أزمة السودان فقط بل بتحويله إلى مصدر للطاقة في الإقليم.

 

لكن هذا المسار التصاعدي تم كسره بقوة في الفترة من 2019م إلى 2020م فيما يمكن تسميته بصدمة التعطيل الإداري. تم إيقاف مشروع محطة قري الحرارية بقدرة 850 ميقاواط رغم أن التوريد والتركيب والتشغيل التجريبي قد اكتمل في أكتوبر 2019م، وكان العائق الوحيد هو سداد القسط قبل الأخير،

إلا أن قراراً إدارياً صادراً عن لجنة إزالة التمكين أدى إلى انسحاب المقاول الألماني وتوقف المشروع. وبنفس المنطق تم إيقاف مشروع محطة بورتسودان الحرارية بقدرة 1000 ميقاواط في عام 2020م. ولم يقف الأمر عند ذلك، بل توقف مشروع الطاقة النووية بقدرة 5000 ميقاواط بضغوط خارجية، كما توقفت مشاريع الطاقة الشمسية بقدرة 1000 ميقاواط وطاقة الرياح بقدرة 500 ميقاواط رغم اكتمال الدراسات الخاصة بها بسبب عدم توفر التمويل.

بالتوازي مع ذلك تم إغلاق المصنع القومي لإنتاج عدادات الدفع المقدم الذي كان ينتج 1500 عداد يومياً، وتدهورت مصانع الأعمدة والمحولات والموصلات التي كانت تغطي احتياجات الشبكة. بذلك خسرت الدولة ما يزيد عن 3350 ميقاواط من مشاريع كانت جاهزة أو على وشك الجاهزية، أي ما يعادل ضعف العجز الذي نعيشه اليوم.

 

وإذا كان التعطيل الإداري قد خلق فجوة كبيرة في التوليد، فإن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 قد نسفت البنية التحتية التي كان من الممكن من خلالها معالجة تلك الفجوة، فتحولت الأزمة من عجز إلى كارثة قومية.

لم تكتف الحرب باستهداف المدن والأحياء، بل ذهبت مباشرة إلى استهداف عصب الدولة. تم تدمير محطات النقل الجهد الفائق 500 و220 كيلو فولت في الخرطوم وأم درمان وبحري.

وهذه المحطات ليست مباني عادية، بل هي الشرايين التي تنقل الكهرباء من السدود والمحطات الحرارية إلى المدن. تدميرها أدى إلى تقطيع الشبكة القومية إلى جزر معزولة لا تستطيع تبادل الطاقة فيما بينها. كما خرجت محطتا بحري الحرارية وقري من الخدمة بسبب الاشتباكات المباشرة ونقص الوقود وتوقف الصيانة. وتعرضت خطوط نقل سد مروي والرصيرص للتخريب والنهب ما أدى إلى عزل أكبر مصدرين مائيين عن الشبكة.

الأخطر من ذلك كله كان انهيار المنظومة اللوجستية التي تقوم عليها الكهرباء. توقفت سلاسل إمداد قطع الغيار والزيوت والفلاتر والوقود بسبب إغلاق الموانئ والمطارات وتعطل الطرق القومية. نزح وهاجر أكثر من 70 بالمئة من المهندسين والفنيين، ومن بقي لم يستطع الوصول إلى مواقع العمل. تم تخريب وسرقة غرف التحكم المركزية وأنظمة SCADA ما أفقد الهيئة القدرة على رؤية الشبكة وإدارتها عن بعد. وانتشر النهب المنظم للمحولات والأسلاك النحاسية والبطاريات وحتى أعمدة الضغط المنخفض وبيعها كخردة. لذلك فإن أزمة الانقطاع لمدة 20 ساعة لم تعد بسبب نقص 500 ميقاواط، بل لأن 60 بالمئة من شبكة النقل فقدت، و40 بالمئة من محطات التوليد خرجت، وتضاعف الفاقد إلى أكثر من 35 بالمئة. حتى لو توفر التوليد اليوم لا توجد شبكة قادرة على نقله إلى المواطن.

 

وسط كل هذا الدمار يبرز غياب عنصر حاسم وهو الشفافية. على إدارة الكهرباء أن تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والمهنية وأن تصدر فوراً بياناً واضحاً ومفصلاً للمواطن السوداني توضح فيه أسباب هذا الانقطاع المبرح. يجب أن يتضمن البيان حجم الدمار الذي لحق بالشبكة، وقائمة المحطات الخارجة عن الخدمة، والجهود المبذولة لإعادة التأهيل، والجدول الزمني المتوقع للتعافي في كل منطقة. غياب المعلومة يولد الشائعات ويضاعف الإحساس بالظلم والقهر. فالمواطن الذي يدفع ثمن العداد والاستهلاك من حقه الدستوري والأخلاقي أن يعرف لماذا يعيش في ظلام.

 

ويبدو أن الدولة بدأت تستوعب حجم الكارثة. فقد أكد وزير الطاقة والنفط مؤخراً أن إعادة إعمار قطاع الكهرباء تمثل “معركة وطنية” لا تقل أهمية عن معارك الأمن والدفاع، وتتطلب تضافر جهود الدولة والقطاع الخاص والشركاء الإقليميين والدوليين.

وأقر الوزير بأن الدمار الذي لحق بالبنية التحتية جراء الحرب فاق 60% من شبكات النقل والتوزيع، مع خروج عدد من محطات التوليد الحراري والمائي عن الخدمة. كما أعلن عن وضع خطة عاجلة ومتوسطة وطويلة المدى لإعادة التأهيل تشمل إعادة ربط “جزر الكهرباء” المعزولة واستيراد المحولات والبدء في مشاريع الطاقة الشمسية اللامركزية للمستشفيات ومراكز المياه. الأهم أن الوزير شدد على ضرورة الشفافية مع المواطن وإصدار بيانات دورية توضح أسباب القطوعات والجدول الزمني للصيانة، وهو ما يمثل استجابة مباشرة للمطلب أعلاه. وأكد انفتاح الحكومة على الشراكات مع القطاع الخاص والمستثمرين في مجال الطاقة المتجددة.

مشيراً إلى أن السودان يمتلك مقومات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح يمكن أن تسهم في حل الأزمة جذرياً خلال السنوات الخمس القادمة.

 

لا يمكن فصل أزمة الكهرباء عن كلفها البشرية والاقتصادية المباشرة. على المستوى الاقتصادي، تقدر خسائر القطاع الصناعي اليومية بمئات الملايين من الدولارات بسبب توقف خطوط الإنتاج وتلف المواد الخام. هجرت المصانع الكبرى البلاد وانتقلت إلى دول الجوار، ففقدت الدولة مصدراً حيوياً للنقد الأجنبي والوظائف.

وعلى المستوى الاجتماعي، تحول انقطاع الكهرباء إلى أزمة صحة عامة. مات مرضى الغسيل الكلوي والأطفال في الحضانات بسبب انقطاع الأكسجين. فسدت الأدوية في الصيدليات والمستشفيات. وعاد السودانيون لاستخدام الحطب والفحم للطبخ مما فاقم أزمة البيئة والصحة. انهار التعليم عن بعد والجامعات، وتوقفت البنوك والمعاملات. الكهرباء لم تعد رفاهية، بل أصبحت مسألة بقاء.

 

تجربة الدول التي مرت بحروب أو انهيارات مشابهة تؤكد أن التعافي ممكن إذا توفرت الإرادة. لبنان ورغم أزمته الاقتصادية الخانقة اعتمد على الطاقة الشمسية اللامركزية للمنازل.

أوكرانيا بعد الاستهداف المباشر لشبكتها ركزت على الشبكات الصغيرة المعزولة لضمان استمرار الخدمات الحيوية. والعراق بعد 2003 فتح باب التوليد للقطاع الخاص وحقق استقراراً نسبياً. الفرق أن تلك الدول تعاملت مع الكهرباء كأولوية قومية فوق كل الخلاف السياسي. والسودان يمتلك ميزة نسبية أكبر منهم جميعاً، فهو يملك إشعاعاً شمسياً من أعلى المعدلات في العالم، ورياحاً بسرعات عالية في البحر الأحمر والشمالية، ويمتلك خام السيليكون في أم روابة وبارا، ويمتلك نهر النيل. المشكلة إذن ليست في الموارد، بل في غياب الرؤية.

 

أمامنا ثلاثة سيناريوهات للمستقبل. الأول هو الاستمرار في الترقيع والاعتماد على المولدات والحلول الجزئية دون معالجة جذرية، ونتيجته الحتمية استمرار الانقطاع لأكثر من 15 ساعة يومياً لخمس سنوات قادمة وهجرة المزيد من الصناعة ورؤوس الأموال.

الثاني هو إعادة الإعمار التقليدي بالاعتماد فقط على تأهيل المحطات القديمة وانتظار المنح والقروض، ونتيجته عودة تدريجية للتيار خلال 3 إلى 4 سنوات ولكن بشبكة هشة مركزية معرضة للانهيار مجدداً. أما الثالث فهو سيناريو الصدمة الإصلاحية، ويقوم على إعادة هيكلة القطاع بالكامل والانتقال من المركزية إلى اللامركزية ومن الاحتكار الحكومي إلى الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص، ونتيجته استقرار نسبي خلال 18 شهراً واستقلال تام في الطاقة خلال 5 سنوات.

 

ولتحقيق السيناريو الثالث هناك أربع توصيات استراتيجية. التوصية العاجلة هي إدارة الأزمة والتواصل، وتقع مسؤوليتها على وزارة الطاقة والنفط بالتنسيق مع الهيئة القومية للكهرباء من خلال تشكيل غرفة عمليات إعلامية تصدر بياناً أسبوعياً وتفعيل مركز اتصال للشكاوى.

التوصية قصيرة المدى هي إعادة الربط وتأمين الإمداد، وتقع على الشركة السودانية لنقل الكهرباء والشركة السودانية للتوليد الحراري عبر إعادة تأهيل خطوط النقل 220 و500 كيلو فولت واستيراد عاجل للمحولات وتشغيل محطات شمسية لامركزية للمستشفيات والمياه. التوصية متوسطة المدى هي فتح السوق وإعادة التصنيع، وتقع على وزارة الاستثمار ووزارة الصناعة عبر إصدار قانون استثمار جديد وتوطين صناعة ألواح الطاقة الشمسية وتجميع البطاريات محلياً. وأخيراً التوصية طويلة المدى وهي بناء شبكة مقاومة للصدمات، وتقع على مجلس الوزراء والبرلمان القادم عبر إقرار قانون استقلال الهيئة والتحول إلى شبكات صغيرة لكل إقليم والعودة لملف الطاقة النووية السلمية.

 

إن أزمة الكهرباء في السودان هي الاختبار الأكبر لمعنى الدولة. فالدولة التي لا تستطيع إنارة بيوت مواطنيها وتشغيل مستشفياتها هي دولة فاقدة لأبسط مقومات السيادة. لقد أثبتت السنوات الماضية أن تعطيل المشاريع مكلف أكثر من تنفيذها، وأن تدمير البنية التحتية يكلف أجيالاً لإعادة بنائها، وأن إخفاء الحقيقة عن المواطن يكلف الثقة. السودان لا يفتقر إلى الشمس ولا إلى الرياح ولا إلى النهر ولا إلى العقول ولا إلى خام السيليكون.

ما ينقصه هو قرار سياسي شجاع يضع الكهرباء فوق كل التجاذبات، ويعترف بها كحق أصيل للمواطن وليست سلعة. عودة النور إلى السودان لن تكون مجرد عودة للتيار، بل ستكون عودة للأمل والإنتاج والحياة. وهذا هو الاستثمار الحقي الذي تستحقه هذه الأمة.

—————-

*المراجع*

عثمان، ع. (2026م). _رد المدير العام الأسبق للهيئة القومية للكهرباء على مقال أزمة الكهرباء في السودان_ [بيان غير منشور].

المحقق. (2026م). وزير الطاقة: إعادة إعمار قطاع الكهرباء معركة وطنية تتطلب تضافر الجهود_. https://almohagig.com/?p=36073

متولي، م. ع. م. (2026). السودان في الظلام: من إجهاض المشاريع إلى تدمير الشبكة.. تشخيص استراتيجي لأزمة الكهرباء وخارطة طريق للإنقاذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى