مدار الفهم: لغتنا السودانية.. هويةٌ لا تذوب ولسانٌ يحمل تاريخ أمة

بقلم: فهمي إبراهيم أبوالفهم :
ليست اللهجة السودانية مجرد وسيلة للتخاطب ولا ألفاظاً نتبادلها في تفاصيل الحياة اليومية، وإنما هي هوية كاملة، وذاكرة شعب، وسجل حضارة، ومرآة تعكس أخلاق السودانيين ووجدانهم وخصوصيتهم. إنها وطن يسكن اللسان قبل أن يسكن الأرض، وكلما نطق بها السوداني حمل معه رائحة النيل، وعبق الطين، وصوت القرى، ودفء المجالس، وأصالة الإنسان.
وفي زمن تتشابه فيه الثقافات وتذوب الهويات تحت ضغط العولمة، تبقى اللهجة السودانية شامخة؛ لأنها لم تكن يوماً لغة عابرة، بل كانت امتداداً حقيقياً لجذور عربية ضاربة في التاريخ، احتفظت بكثير من الألفاظ الفصيحة التي ما زالت حية على ألسنة الناس. فكلمات نستعملها بعفوية نجد لها أصولاً راسخة في معاجم العربية وفي القرآن الكريم؛ فحين يقول السوداني “زُح من الطريق”، فإنه يستعمل لفظاً عربياً فصيحاً من الجذر نفسه الذي ورد في قول الله تعالى: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}.
إن لهجتنا تختزل حكمة الأجداد في أمثالٍ لا يفهم عمقها إلا من تشرب هذا اللسان؛ فالمثل السوداني حين يقول “يا حليلهم” يحمل في طياته شجناً وحنيناً لا تترجمه اللغات، وعندما نصف الشخص الكريم بأنه “بياض وجه” أو “كريم كف”، فنحن نختصر ملاحم من الكرم السوداني الذي يسبق فيه العطاءُ السؤال. وحين نقول “البركة في الناس”، فنحن نؤكد أن قيمة السوداني تكمن في تلاحمه وتآلفه.
ولعل أجمل ما في لهجتنا أنها تنقل الأخلاق قبل المعاني؛ ويكفي أن نتأمل كلمة “سمح” لندرك عظمة هذا اللسان، فهي ليست وصفاً للجمال وحده، بل للإنسان نقي السريرة. وفي السودان قد يكون الوجه سمحاً، والكلام سمحاً، والقلب سمحاً، وحتى المواقف تُوصف بأنها سمحة إذا امتلأت بالخير والود. هي كلمة تختصر الطيبة والكرم والتسامح. ولو كان لنا أن نختار كلمة تختصر شخصية السوداني أمام العالم لما وجدنا أبلغ من “سمح”؛ لأنها تعني أن يكون العطاء بلا مَنّ، وأن يكون الفهم بلا تعقيد، وأن تبقى الـ “سيرة” طيبة بعد كل لقاء.
إن السوداني لا يكتفي بالكلمة، بل يغلفها بـ “الفال”؛ فنحن قوم نؤمن بـ “الخير” ونستبشر به في كل أحاديثنا، ونردد دائماً “إن شاء الله تامة ومتممة”، معبرين عن تفاؤلنا الدائم بالله. وقد يستغرب غير السوداني مفردات مثل “حبابك عشرة” أو “في حدقات العيون”، لكن هذه التعابير هي بصمتنا التي تميزنا، فهي ليست مجرد كلمات، بل هي روح وطن كامل ينبض في نبرة الصوت.
إننا حين نتحدث بدارجتنا، إنما نستدعي إرثاً يمتد من “الحوبة” حين يلتقي الرجال، إلى “الونسة” التي تذوب فيها الفوارق. هي لغةٌ لا تفتقر إلى الفصاحة، بل هي فصاحةٌ استراحت في قلوب أهلها، فصارت سهلةً ممتنعة.
إن من واجبنا اليوم أن نصون هذا الإرث العظيم، وأن نورثه للأجيال كما ورثناه من الآباء والأجداد، وأن نفتخر به في بيوتنا ومجالسنا وأدبنا وفنوننا دون خجل. واللهجة السودانية ليست مجرد طريقة للكلام، بل هي وثيقة حضارية تحفظ تاريخ الإنسان السوداني، وتروي أخلاقه، وتختزن حكمته، وروحه الساخرة، ونبله، وعفويته.
ستبقى لهجتنا السودانية راية للهوية، وعنواناً للأصالة، ولساناً ينطق بتاريخ وطن لا يموت. فمن أراد أن يعرف السودان الحقيقي، فليستمع إلى حديث أهله؛ ففي كلماتهم وطن كامل لا تكتبه الخرائط، وإنما تحفظه القلوب.



