دولار مقابل إنتاج: لماذا يرفض السودان روشتة الصدمة ويختار السيادة الاقتصادية؟!!

الدكتور /محمد عوض محمد متولي
المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
حين تبلغ الفجوة بين سعر الدولار الجمركي البالغ 3743 جنيهاً وسعره في السوق الموازي 5400 جنيهاً نسبة 44.2 بالمائة، فإننا لا نكون أمام أزمة سعر صرف تقليدية، بل أمام انهيار شامل لعقد اقتصادي واجتماعي بين الدولة ومواطنيها. هذه الفجوة ليست مجرد رقم في شاشات التداول، بل هي مؤشر على درجة العجز السيادي، وهي إعلان واضح بأن الاقتصاد السوداني تحول إلى “اقتصاد مُدولر بلا إنتاج”.
أرفض رفضاً قاطعاً منطق “الصدمة التصحيحية” الذي تفرضه مؤسسات التمويل الدولية. فهذه الوصفة التي جُربت في 2018م و2021م لم تكن إصلاحاً هيكلياً، بل كانت إجهازاً على ما تبقى من الصناعة الوطنية والطبقة الوسطى. السودان اليوم لا يحتاج إلى من يقتله ليحييه، بل يحتاج إلى من يبنيه من رماده. إن معركة الجنيه ليست معركة فنية حول سعر الصرف، بل هي معركة سيادة وإنتاج وبقاء.
ولنفهم عمق الأزمة يجب أن نبدأ من بنية الاقتصاد. في عام 2025م بلغ إجمالي صادرات السودان 4.1 مليار دولار فقط، استحوذ الذهب وحده على 2.66 مليار دولار منها بنسبة 65 بالمائة، بينما بلغت الواردات 9.8 مليار دولار. هذا العجز التجاري البالغ 5.7 مليار دولار لا يموله تصدير زراعي أو صناعي، بل يموله تهريب الذهب المقدر بـ 3.5 مليار دولار سنوياً.
وتحويلات المغتربين البالغة 3.2 مليار دولار يدخل أغلبها عبر القنوات غير الرسمية، ومنح إنسانية تقدر بـ 1.8 مليار دولار. أي أن الدولار الذي يدخل البلاد اليوم ليس بالضرورة ناتج عرق سوداني، بل ناتج وضع إنساني وتهريب وتحويلات. وعندما يكون المعروض من النقد الأجنبي مشروطاً بالخارج، فمن الطبيعي أن يملي الخارج سعره وشروطه. وقد انعكس ذلك في انكماش معدل نمو الناتج المحلي الحقي إلى سالب 4.2 بالمائة، وارتفاع التضخم إلى 38.1 بالمائة، في حالة ركود تضخمي هي الأخطر على الإطلاق.
والأخطر من العجز هو تحول الدولة نفسها إلى مستفيد مباشر من استمرار الأزمة. فمع اعتماد 62 بالمائة من إيرادات الموازنة العامة على الجمارك، أصبحت الخزينة تكسب تلقائياً كلما ارتفع الدولار. كل زيادة في سعر الصرف تعني زيادة في إيرادات الجباية. لقد تحولت الدولة من منتج إلى جهاز جباية، ومن راعٍ للتنمية إلى شريك صامت في انهيار العملة. هذا هو “اقتصاد الجباية” الذي ينتحر بذاته.
وفي قلب هذا الانهيار يقف القطاع المصرفي مشلولاً تماماً. فمن أصل عرض نقدي بلغ 18.7 تريليون جنيه في نهاية 2025م، يوجد أكثر من 70 بالمائة منه خارج الجهاز المصرفي. أي 13 تريليون جنيه تتحرك في السوق بلا رقابة ولا سياسة نقدية. ومع بقاء سعر الفائدة عند 28 بالمائة مقابل تضخم 38 بالمائة.
صار العائد الحقيقي سالب 10 بالمائة، فعزف الناس عن الإيداع. وتراجعت ودائع الجمهور من 4.2 تريليون إلى 2.9 تريليون خلال عامين. كما انخفضت التحويلات عبر البنوك من 1.4 مليار دولار إلى أقل من 400 مليون. اليوم 89 بالمائة من التمويل المصرفي يذهب للتجارة وتمويل الحكومة، بينما لا تحصل الزراعة والصناعة إلا على 11 بالمائة. البنوك لم تعد تخلق ائتماناً للإنتاج، بل تحولت إلى منافذ لبيع الدولار.
والنتيجة المنطقية لكل ذلك هي انهيار الثقة في الجنيه. عندما يفقد المواطن الثقة في عملته كمخزن للقيمة، يتحول أي راتب يدخل البيت إلى دولار أو ذهب أو سلعة في نفس اليوم. وتقدر الدراسات الاقتصادية لمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات هذا الطلب المضاربي بـ 4.2 مليار دولار سنوياً. وهذا الطلب لا يعالجه تعويم ولا قرض ولا قرار أمني، بل يعالجه إنتاج حقيقي يعيد للجنيه وظائفه الثلاث: وسيط تبادل، ووحدة حساب، ومخزن قيمة.
أمام هذا الواقع توجد ثلاثة مسارات. المسار الأول هو استمرار الوضع الراهن، بترك السوق الموازي يحكم مع الاكتفاء بحملات أمنية دورية. وهذا المسار سيقود خلال 12 شهراً إلى سعر 8000 جنيه للدولار، وانهيار ما تبقى من الصناعة، وظهور كيانات نقدية موازية في الأقاليم، ونهاية فكرة الجنيه كعملة قومية.
المسار الثاني هو تبني وصفة صندوق النقد الدولي: تعويم كامل وتحرير أسعار ورفع دعم مقابل قرض 2 مليار دولار. وهذا المسار سيحدث قفزة تضخمية تتجاوز 70 بالمائة خلال 60 يوماً، وسيدفع بملايين السودانيين إلى الفقر المدقع، وسيقضي على المصانع التي لا تستطيع شراء مدخلاتها. قد يرضي المانحين، لكنه سيسقط الحكومة شعبياً قبل أن تكمل نصف عام. لقد جربناه مرتين وسقطنا مرتين، لذلك هو مرفوض.
أما المسار الثالث فهو “السيادة الإنتاجية المُدارة”، وهو طريق سوداني 100 بالمائة لا قرض فيه ولا شروط. ويقوم على خمس آليات متزامنة.
الأولى: إنشاء بورصة ذهب سيادية تشتري كامل إنتاج البلاد البالغ 70 طناً سنوياً بسعر عالمي ناقص 3 بالمائة فقط وتدفع بالجنيه، ثم تبيع الذهب في دبي وتعيد الدولار للبنك المركزي. وهذا وحده سيوفر 3.5 مليار دولار كانت تخرج بطرق غير رسمية.
الثانية: إنشاء صندوق للسلع الاستراتيجية بتمويل من عائد الذهب لاستيراد القمح والدواء والوقود وبيعها بسعر ثابت لمدة 18 شهراً لحماية المواطن من الصدمة.
الثالثة: توجيه كل دولار يدخل البلاد عبر “نافذة إنتاج” في بنك التنمية الصناعية، لا دولار للسيارات ولا للهواتف، فقط للآلات والمدخلات والزراعة.
الرابعة: تثبيت الدولار الجمركي عند 3743 جنيهاً لمدة 5 سنوات لكسر التوقعات التضخمية.
الخامسة: إصلاح مصرفي عاجل عبر شهادات ادخار مرتبطة بالدولار لجذب الـ 13 تريليون جنيه خارج البنوك، ونافذة تمويل للصادر بفائدة 5 بالمائة، وحظر تمويل الاستيراد الكمالي.
هذا المسار سيخفض الفجوة إلى 20 بالمائة خلال 6 أشهر، وسيستقر السعر بين 4000 و 4500 جنيه خلال 18 شهراً، وسيخلق 1.2 مليون فرصة عمل خلال 3 سنوات. وستعود 40 بالمائة من الكاش للبنوك، وستزيد الصادرات 30 بالمائة.
ولضمان عدم بقاء ذلك حبراً على ورق، *نقترح خارطة طريق تنفيذية مدتها 18 شهراً*. في الأشهر الستة الأولى يتم كسر السوق الموازي عبر بورصة الذهب والصندوق السلعي. وفي الستة التالية تتم إعادة هيكلة القطاع المصرفي. وفي الستة الأخيرة يتم ضخ عائد الذهب في الزراعة والصناعة وتشغيل 100 مصنع متعثر. وسنقيس النجاح بخمسة مؤشرات: رفع الإيرادات غير الجمركية إلى 40 بالمائة، خفض التهريب إلى أقل من 15 بالمائة، توحيد 80 بالمائة من النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، إعادة نصف الصادرات للقنوات الرسمية، وخفض الكتلة النقدية خارج البنوك إلى أقل من 50 بالمائة.
إن صمود مؤسسات الدولة الوطنية وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية هو رأس المال المعنوي الأكبر لهذا المشروع. فلا إصلاح اقتصادي بلا سيادة، ولا سيادة بلا مؤسسات قوية تحمي الحدود وتدير الموارد.
الخلاصة أن أزمة الدولار ليست أزمة سعر. هي أزمة 3.5 مليار دولار تهريب ذهب، و13 تريليون جنيه خارج البنوك، وموازنة تعتمد على الجمارك، وصفر تمويل إنتاجي. الدولار لن ينخفض بمرسوم. الدولار ينخفض عندما ننتج ما نستورد، وعندما نوقف تهريب الذهب، وعندما نجعل للجنيه ظهراً من قمح وسمسم ولحوم ومصنع.
روشتة صندوق النقد تقول: اقتل المريض حتى يخف. *والحل السيادي يقول: غذِّ المريض حتى يقف. والخيار واضح. إما أن نكون دولة إنتاج سيادي، أو نبقى سوق استهلاك تابع.*



