مقالات الظهيرة

(من أعلى المنصة) ياسر الفادني يكتب… القطر خَشَّ القضيب !

في السياسة لا توجد فراغات دائمة، ولا أبواب تبقى موصدة إلى الأبد، ما يرشح هذه الأيام من أخبار عن لقاءات ومقاربات تجري بين بعض الدول الكبرى وقيادات إسلامية سودانية في عواصم مختلفة، يشير إلى أن قطاراً جديداً بدأ يقترب من القضيب بعد سنوات من محاولات إبعاده عن المحطة.

يبدو أن تلك الدول أعادت قراءة المشهد السوداني بعين أكثر واقعية وأقل انفعالاً، وبعد سنوات من الرهان على مجموعات وشخصيات أُنفقت عليها الأموال، وعُقدت من أجلها المؤتمرات والورش والملتقيات، لم يتحقق اختراق حقيقي في جدار الأزمة السودانية، عشرات الاجتماعات ومخرجات حجمها كحجم القطمير داخل (التمرة) ، ظل التنفيذ فيها متصدرا الصفر الكبير الذي لا يخطئه النظر

 

العواصم التي استضافت بعض الساسة السودانيين واستمعت إلى خطبهم وشعاراتهم، اكتشفت أن الضجيج الإعلامي شيء، والوزن السياسي الحقيقي شيء آخر، واكتشفت أيضاً أن بعض من قُدِّموا باعتبارهم ممثلين للمشهد السوداني لا يملكون من أدوات التأثير ما يؤهلهم لصناعة حل أو حتى الاقتراب منه

 

الحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها أن الإسلاميين، سواء اتفق معهم الناس أو اختلفوا، يمثلون رقماً لا يمكن شطبه من المعادلة السودانية. فالقوى السياسية لا تُقاس بالرغبات ولا بالشعارات، وإنما بما تملكه من قواعد اجتماعية وتنظيمية وحضور في الواقع. ومن يتعامل مع السودان بعقلية الإقصاء ويضع الإسلاميين في خانة العداء المطلق، إنما يقرأ الخريطة بالمقلوب ويحاول إدارة بلد معقد بعين واحدة وآخري اصابها الرمد !

 

لقد أثبتت التجربة أن المشاريع التي قامت على استبعاد مكونات رئيسية من المجتمع والسياسة لم تنتج استقراراً، بل أضافت طبقات جديدة من التعقيد. ولذلك فإن أي مقاربة دولية جديدة تنطلق من الاعتراف بالحقائق الموجودة على الأرض قد تكون أكثر قدرة على إحداث اختراق إيجابي في الأزمة السودانية، إذا صدقت النوايا وتوفرت الإرادة

 

لكن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود، فهناك من بنى مجده السياسي على صناعة الخصومات، ومن يعيش على تأجيج الصراع وإدامة حالة الاستقطاب، هؤلاء سيستقبلون أي تحول في هذا الاتجاه بحملات صاخبة وهجوم عنيف، لأن مصالحهم مرتبطة ببقاء الأزمة لا بحلها، إنها مدرسة سياسية اعتادت التشويش على كل فكرة، ومهاجمة كل مبادرة، ومحاولة إغراق أي مشروع للحل في مستنقع المكايدات والشعارات

 

إني من منصتي أنظر …. حيث أري

أن العالم بدأ يقترب شيئاً فشيئاً من فهم طبيعة الأزمة السودانية، وأن بعض العواصم بدأت تدرك أن العلاج لا يكون بمجاملة المرض، وإنما بمواجهة أسبابه الحقيقية، فهل تمضي هذه الدول حتى النهاية وتضع يدها على موضع الداء، أم تتراجع مرة أخرى أمام ضغوط أصحاب الأجندات والمصالح؟

الأيام القادمة وحدها ستجيب، ولكن المؤكد أن القطار بدأ يتحرك، وأن القضيب بات واضحاً أمامه…

وغداً لناظره قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى