بينما تنشغل الخرطوم بمتابعة فصول صيانة “كبري الحلفايا”، وما يصاحبها من جدل فني وإداري، تذكرت تلك العبارة السياسية العتيقة: “هناك مياه كثيرة جرت تحت الجسر”. لكن في حالتنا هذه، يبدو أن المياه التي تجري تحت جسور مؤسساتنا الصحية ليست مجرد مياه عابرة، بل هي سيول من التساؤلات حول شبهات الفساد الإداري والمالي، وتجاوز اللوائح التي أصبحت “أصلاً” لا “استثناءً”.
من سلمى إلى “فيتاليس”.. دروس لم تُستوعب
لقد تابعنا ما خطّه الزملاء الصحافيون حول استقالة دكتورة سلمى، عضو المجلس السيادي، وكيف نجح ضغط الرأي العام في الانتصار للقانون وتعرية التجاوزات التي أطاحت بمسؤول في قمة الهرم السلطوي. هذا الدرس في “الرقابة الشعبية” هو ما يدفعنا اليوم لفتح ملفات ظلت لسنوات تحت بند “المسكوت عنه”، وتحديداً داخل أروقة مجلس التخصصات الطبية.
منذ غيابنا الذي امتد لخمسة أعوام عن دهاليز المجلس، ظللنا نراقب بعين “النقد والإعجاب” معاً. أعجبنا بصرح “مركز التعليم الطبي” داخل المجلس، الذي تأسس بأحدث القاعات والأجهزة، وشهد أكثر من ثلاثة آلاف منشط تدريبي بأيدي كفاءات وطنية وعالمية. لكن، فجأة وبلا مقدمات، طفا على السطح اسم غريب: “مركز فيتاليس للتدريب”.
أسئلة مشروعة.. وإجابات غائبة
ظهور “فيتاليس” كلاعب أساسي في تدريب النواب يضعنا أمام علامات استفهام كبرى تتطلب “مؤتمراً صحفياً” عاجلاً لكشف الحقائق:
* المالك والهوية: من هو صاحب هذا المركز؟ وما هي علاقته الحقيقية بموظفين نافذين داخل مجلس التخصصات الطبية؟
* قانونية التعاقد: هل تم طرح “عطاء عام” للمنافسة الشريفة بين مراكز التدريب وفقاً لقانون التعاقد والشراء؟ وكيف أُبرم العقد -إن وجد- وما هي بنوده؟
* بديل أم موازٍ؟: هل أضحى “فيتاليس” بديلاً خاصاً لمركز التعليم الطبي الحكومي التابع للمجلس؟ ومن الذي منح الصلاحية لمركز خاص ليحدد “نوعية الدورات” و”حجم الرسوم” المفروضة على نواب الأطباء؟
* الاعتمادية والجودة: ما مدى قانونية الشهادات الصادرة عنه؟ ومن هم المدربون الذين يعتمد عليهم في ظل وجود أساتذة المجلس الكبار؟
مياه المخالفات وتحت الجسر
إن فرض رسوم على النواب وتفويض مركز خاص للقيام بمهام مؤسسة وطنية عريقة دون شفافية، هو نوع من “المياه الكدرة” التي تجري تحت كسر القوانين. إنها شبهات فساد إداري ومالي لا تليق بمؤسسة طبية تعليمية هي صمام أمان المهنة في السودان.
إن ما حدث في قضية عضو السيادي المستقيلة يؤكد أن “لا أحد فوق القانون”، وأن عين الرقابة لا تنام. لذا، فإن ملف “فيتاليس” ومجلس التخصصات الطبية لن يكون مجرد تساؤل عابر، بل هو دعوة لفتح تحقيق شفاف أمام الرأي العام. فالأطباء، والوطن، يستحقون مؤسسات تُبنى على النزاهة، لا على الصفقات التي تُطبخ في الغرف المظلمة بعيداً عن أعين الرقابة.



