مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب … حكايــة مصطفــى ود عثــمان… كبرياء الإسم وقسوة الرصيف

*​فى قلب الخرطوم المزدحم حيث يختلط ضجيج الحافلات بأصوات الباعة في شارع الحرية وصل الشاب مصطفى ود عثمان حاملاً معه أحلاماً عريضة وورقة وحيدة تثبت وجوده في هذا العالم عبارة عن شهادة ميلاد فقط لكن قصة مصطفى ود عثمان لم تكن كقصص الآلاف الذين يذوبون فى زحام المدينة بحثاً عن أى لقمة عيش بل كانت قصة صراع مرير بين الذات والواقع شهادة ميلاد وطموح بلا حدود*

 

*​جاء مصطفى ود عثمان من قريته وفي جعبته يقين بأن المدينة ستفتح له أبوابها لم يكن يملك مؤهلات أكاديمية أو خبرات حرفية لكنه كان يملك ما هو أثمن في نظره اسمه وكبريائه توجه مصطفى إلى معرض يمتلكه أحد أقربائه فى شارع الحرية ظناً منه أن صلة الرحم ستضعه في مكانة تليق بتوقعاته العالية فعرض عليه قريبه العمل في المعرض لكن المهمة كانت جلب الشاي والماء للزبائن والعمال هنا توقفت عجلة طموح مصطفى فجأة بالنسبة له لم تكن المهنة مجرد عمل هامشى بل رآها إهانة لا تليق بمن يحمل اسم مصطفى ود عثمان فقال لقريبه بكل عنجهية (هييييع أنا مصطفى ود عثمان أشتغل جرسون) وبهذه الجملة لخص الشاب موقه ورفض العرض فوراً مفضلاً البقاء بلا عمل ومواجهاً شبح البطالة فى شوارع الخرطوم القاسية على أن ينحنى لخدمة الزبائن بطلبات بسيطة*

 

*كبرياء مصطفى ود عثمان الغير مستحق أدخله فخ البطالة الأمر الذى يجعلنا أن نأخذ من قصة مصطفى ود عثمان باباً للنقاش حول سيكولوجية الشباب القادمين من الأقاليم إلى العاصمة فبينما يرى البعض أن العمل الشريف لا يعيب صاحبه مهما كانت بساطته يرى آخرون أن الاعتداد بالنفس هو الحصن الأخير الذي يمتلكه الإنسان وأن القبول بمهن يراها المرء دونية قد يكسر طموحه للأبد ​لكن الواقع فى شارع الحرية لا يعترف بالأسماء فهو يعترف فقط بالكدح اليومى فهل كان مصطفى ود عثمان محقاً فى الحفاظ على صورة ذاته أم أنه أضاع فرصة كانت لتمثل السلم الأول في مشواره المهنى يمكن القول أن مصطفى ود عثمان تحول الى حالة تسير في طرقات الخرطوم متمسكاً بشهادة ميلاده وباسمه الذى يرفض أن يخدشه بـالعمل جرسون هى قصة عن الأنفة السودانية فى أسمى أو ربما أقسى تجلياتها تتركنا نتساءل متى يكون الكبرياء دافعاً للنجاح ومتى يتحول إلى قيد يربط صاحبه على رصيف الانتظار*

 

*وهناك عشرات بل قل مئات من فصيلة مصطفى ود عثمان وجدوا لهم نفاج فى وظائف حكومية من لجان وتنسيقيات وأخفوا شخصية مصطفى ود عثمان فى داخلهم وظنوا أنهم أصحاب قرار وهم فى حقيقة الأمر مجرد صورة طبق الأصل من مصطفى ود عثمان يعيشون داخل جلباب شخصيات ذائفة*.

 

yassir. mahmoud71@gmail

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى