مقالات الظهيرة

ياسر أبو ريدة يكتب… التصوّف بين الكُكَر والكراسي الفاخرة

في الأوقات العصيبة تُختبر المعاني قبل الشعارات، وتنكشف القيم حين تضيق الساحات؛ فإمّا التزامٌ هادئ بجوهر الفكرة، وإمّا ضجيجٌ يُغري بالظهور ويستدعي الأضواء.

التصوّف، في جوهره، لم يكن يومًا طريقًا للاستعراض ولا منصّة للاحتفال بالذات، بل مدرسة للخفاء والانكسار والتواضع ونكران النفس. طريقٌ يُزكّي السلوك قبل الصورة، ويُعلي المعنى قبل المكانة.

كل ما يُغذّي حبّ الدنيا، ويُنمي الكِبر، ويُقارب العبادة من زاوية المظهر، هو خروج عن روح الطريق وإن لبس ثوب الدين. فالتصوّف الحقيقي لا يُقاس بحجم القاعات، ولا بعدد الحضور، ولا بارتفاع الكراسي.

وتزداد الأسئلة إلحاحًا حين تُقام مظاهر احتفالية في وقت تمر فيه البلاد بظروف بالغة القسوة: ضيقٌ في المعاش، ونزوحٌ واسع، ومعاناة يومية تعيشها قطاعات كبيرة من المواطنين. في مثل هذه السياقات، يصبح الاحتفاء الشكلي محلّ مراجعة، لا من باب الخصومة، بل من باب المسؤولية الأخلاقية.

العمل الطوعي الخالص لوجه الله لا يحتاج إلى بروتوكولات مُكلفة، ولا إلى مظاهر تستهلك الموارد والرمزية معًا. فالمال الذي يُصرف على الديكور والتنظيم كان أجدر أن يُوجَّه إلى جائع، أو مريض، أو يتيم، أو نازح ينتظر الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

كما أن ربط المبادرات الدينية أو الخيرية بحضور رسمي أو دبلوماسي واسع، في ظل واقعٍ مأزوم، يطرح تساؤلات مشروعة حول الأولويات، وحول الفاصل الدقيق بين خدمة القيم وتسويق الصورة.

وليس هذا الطرح اعتراضًا على العمل الخيري في ذاته، ولا انتقاصًا من الجهود المبذولة، بل دعوة صريحة لإعادة الاعتبار للجوهر على حساب الشكل، وللنية على حساب الواجهة.

لقد كان رسول الله ﷺ مثالًا عمليًا لهذا المعنى؛ جلس حيث ينتهي به المجلس، ولم يُميّز نفسه بمظهر، ولم يعرف بروتوكول العظمة. كانت عظمته في صدقه وتواضعه، لا في مقعدٍ أو مشهد.

التصوّف الأصيل لا يرفع صوته، ولا يحتفل بنفسه، ولا يطلب التصفيق. هو عملٌ في الخفاء، وخدمةٌ بلا عدسات، وحضورٌ أخلاقي يزداد عمقًا كلما قلّ الضجيج.

وفي زمن الأزمات، لعلّنا أحوج ما نكون إلى استعادة هذا المعنى، والاحتكام إلى الميزان الإلهي الذي لخّص الطريق بوضوح:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾

ذلك هو التصوّف كما عُرف في أصله،

وما عداه اجتهادٌ قابل للنقد، لا قداسة له ولا حصانة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى