(وجه الحقيقة) إبراهيم شقلاوي يكتب… المحليات كأساس للدولة الجديدة
بعد الحرب لا يعود سؤال الدولة سؤال سلطة وحاكمية، بل سؤال قدرة على الانتقال. فالدولة التي تخرج من النزاع لا تُقاس بما تعلنه من سياسات مركزية، بل بما يصل فعليًا إلى المواطن في معاشه، ومياه ، وصحته، وأمنه في الأحياء السكنية. هنا تحديدًا يخوض السودان معركته الحقيقية، معركة الاقتصاد المحلي بوصفه حجر الأساس في إعادة بناء الدولة.
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن إعادة إنتاج الاقتصاد المركزي، مهما حسُنت نواياه، لا يقود إلا إلى هشاشة متجددة. فالمركز الذي يختزل الموارد والقرار يعيد إنتاج الاختلالات ذاتها التي فجّرت الأزمات. لذلك فإن الرهان هذه المرة يجب أن يتجه إلى المحليات، باعتبارها الوحدات الإدارية التي تُعاد فيها صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع والخدمات والأمن.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه مرحلة ما بعد الحرب هو التعامل مع التعافي كعملية تُدار من الأعلى، بينما الواقع يفرض مقاربة معكوسة: من القاعدة إلى القمة. فالأسواق الشعبية ، والزراعة الحضرية، والحِرَف الصغيرة، وتنظيم الخدمات اليومية، ليست تفاصيل معيشية فحسب، بل هي بنية الاقتصاد الحقيقي الذي يحمي الاستقرار الاجتماعي ويمنع عودة التوترات.
في مقابل ذلك، تكشف التحركات التي شهدتها بعض الولايات في وقت سابق، وخلال الأيام الماضية، عن إدراك عملي بأن المحلية لم تعد مجرد وحدة إدارية دنيا، بل أصبحت المجال الحقيقي الذي تُعاد فيه صياغة علاقة الدولة بالمجتمع. ففي الخرطوم، وجّه والي الولاية، الأستاذ أحمد عثمان حمزة ، المديرين التنفيذيين للمحليات بتفعيل دور الوحدات الإدارية.
كذلك تنظيم الأسواق الشعبية، واستدامة جمع النفايات، وضمان انسياب المياه والمواصلات، مع التشديد على دور لجان أمن المحليات في بسط الأمن خلال مواسم الكثافة السكانية. هذه التوجيهات، في جوهرها، لا تتعلق بإدارة مرحلة أو ظرف، بل تعكس فهمًا سياسيًا تنمويًا بأن تنظيم السوق الشعبي، واحتواء الاقتصاد غير الرسمي، وتأمين الفضاء العام، هي أدوات استقرار بقدر ما هي خدمات، وأن غيابها يفتح الباب للفوضى والتوتر.
وفي وقت سابق بولاية كسلا، استقبل والي الولاية اللواء ركن الصادق محمد الأزرق مدير فرع الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، وأكد على أهمية إحكام التنسيق بين الهيئة والمحليات. هذا الحديث، يحمل دلالة سياسية محسوبة، فحماية المستهلك، وضبط الأوزان، وتوكيد الجودة، ليست مسائل إجرائية، بل عناصر أساسية في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. فالسوق غير المنضبط يولّد شعورًا دائمًا بالظلم، بينما السوق العادل يعيد الاعتبار لفكرة الدولة الحامية للمكتسبات، لا الجابية للأتاوت.
وفي سياق متصل، وخلال جولات تفقدية ميدانية في الأيام الماضية، شدد والي ولاية نهر النيل، د. محمد البدوي عبد الماجد أبو قرون، على أولوية معالجة مشكلات المياه والصحة، وأصدر توجيهات عاجلة للمحليات والوحدات الإدارية بالإسراع في الحلول، بالتنسيق مع هيئة المياه والدفاع المدني، مع التوسع في إدخال الطاقة الشمسية لمحطات المياه والمرافق الصحية. كما دعا قيادات المحليات إلى النزول الميداني والتواصل المباشر مع المواطنين، وتشكيل غرف طوارئ لمتابعة انسياب الخدمات.
هذه المقاربة الجديدة تعكس إدراكًا بأن أحد جذور النزاع السوداني تمثّل في انقطاع الدولة عن المجتمع، وتحولها إلى كيان بعيد، لا يظهر إلا في لحظات الجباية أو الأزمات، وأن إعادة بناء الثقة تبدأ من حضور الدولة في تفاصيل المعاش اليومي والخدمات وتعزيز فرص كسب العيش.
كذلك الأمر في ولاية الجزيرة، وخلال الأمس القريب، أعلن والي الولاية الطاهر إبراهيم الخير استمرار حملات إصحاح البيئة ومكافحة نواقل الأمراض، بمشاركة الجيش والشرطة والمخابرات والمجتمع المحلي.
القاسم المشترك بين هذه النماذج، على تباين سياقاتها، هو تحوّل مركز الثقل من دولةٍ مجرّدة إلى دولةٍ متجذّرة محليًا. فعندما تُدار الأسواق والمياه والكهرباء والصحة من داخل المحلية، وبفهمٍ لصيق بواقعها الاجتماعي والاقتصادي، تضيق الفجوة بين المدينة والريف، وتتراجع أسباب التهميش، ويُعاد دمج الاقتصاد المحلي كرافعة تنموية لا كعبء على التخطيط القومي. وإذا ما ترسخت هذه المقاربة كخيارٍ استراتيجي.
فإن أثرها سيتجاوز تحسين الخدمات إلى إعادة تشكيل بنية الدولة. سياسيًا تُبنى الشرعية على الأداء لا الخطاب وتتراجع بؤر الاحتقان. اجتماعيًا تتعزز شبكات التضامن ويتسع دور الشباب والمرأة . تنمويًا، تترسخ حلول محلية مستدامة ومنخفضة الكلفة. اقتصاديًا يوسّع تمكين المحليات القاعدة الإنتاجية ويحقق نموًا تراكميًا متوازنًا أكثر قدرة على الصمود والانتاج.
بحسب #وجه_الحقيقة ، تعود الفكرة إلى أصلها ومعناها : المحليات كأساس للدولة الجديدة باعتبارها خيارًا سياسيًا تنمويًا لتجاوز جذور النزاع وبناء دولة مختلفة في منطقها ووظيفتها. دولة تبدأ من حيث يعيش الناس، وتُقاس قوتها بانتظام حياتهم اليومية، وتستمد شرعيتها من الخدمة والعدالة، لا من السيطرة والخطاب. هذا النهج وحده القادر على أن يكون أكثر رسوخًا، وأكثر عدلًا، وأكثر قابلية للاستدامة في سودان ما بعد الحرب.
دمتم بخير وعافية.
السبت 10 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com



