مقالات الظهيرة

(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب..  يابخت الترزية في دارفور !!

حكى لي صديقٌ طرفة، قال إنها وقعت في مدينة كادوقلي، المدينة التي قد تمزح كثيراً لكنها نادراً ما تكذب، زارها ذات مرة، وحضر احتفالاً شعبياً شاركت فيه فرقة بدت وكأنها خرجت من مخزن الرتب لا من مسرح الفنون، أفرادها يضعون نجوماً حمراء على أكتافهم، القائد بثلاث نجوم كاملة، والبقية ما بين نجمة ونجمتين، صفوف منتظمة، وقفة عسكرية فنية عجيبة

ثار فضول صاحبي، فسأل أحد أعضاء الفرقة ببراءة لا تعرف الحذر:
كيف تقلدون هذه الرتب؟ أود أن أنضم إليكم، لكنني أطمح إلى رتبة لواء.
ضحك الرجل ضحكة واثقة، ضحكة من يعرف أن الطريق مختصر، ثم قال:
علي حسب علاقتك بالترزي !
ضحكنا يومها، واعتبرناها طرفة لطيفة من السودان البعيد عن مكاتب القرار، حيث السخرية أصدق من التصريحات، وحيث النكتة أحياناً أعمق من التحليل ، غير أن المفارقة المؤلمة أن ما كان نكتة عابرة في كادوقلي، أصبح اليوم واقعاً تتداوله الشاشات والمنصات بلا خجل

خلال الأيام الماضية، امتلأت وسائل الإعلام بتهانٍ صاخبة لما سُمي (ترقيات جديدة ) مُنحت لبعض قيادات المليشيا، ترقيات لا تمر عبر مؤسسات، ولا تعترف بسلاسل قيادة، ولا تعرف شيئاً عن تقاليد الجيوش أو تاريخ الرتب، ومع ذلك، تُقدَّم في شكل احتفالات مصغّرة، وصور رسمية، وعبارات مديح ثقيلة، كأننا أمام دولة راسخة لا جماعة مسلحة

الأكثر إضحاكاً أن هذه التهاني تُصاغ بجدية مدهشة، تُبارك تقلد (رتب خلا)، نجوم وُلدت في الفراغ، بلا تدريب، بلا انضباط، بلا سنوات عمر ضاعت في الطوابير والميادين، رتب تُوزَّع كما تُوزَّع المنشورات، بلا حساب ولا تاريخ، فقط لأن الكتف موجود، والترزي جاهز لمن يدفع أكثر!

في صور التقليد، ترى الوجوه متورمة بالفرح، لغة الجسد تقول: (لقد أصبحت قائداً)، بينما تقول الحقيقة: لقد أصبحت نسخة كاريكاتيرية من القائد، زعامة مصنوعة من قماش، وسلطة معلّقة بخيط، ونجوم لو اقتربت منها قليلاً لاكتشفت أنها بلا سماء، وبلا ضوء

هكذا تحولت الرتبة من مسؤولية ثقيلة إلى زينة، ومن شرف عسكري إلى ملصق، ومن رمز دولة إلى أداة استعراض، لم يعد مهماً أن تعرف كيف تقود، أو ماذا تحمي، أو من تخدم، المهم أن تبدو في الصورة كبيراً، وأن تسبق اسمك ألقاب طويلة

ما يجري ليس مجرد عبث شكلي، بل إهانة صريحة لمعنى الجندية، وتسطيح فج لقيمة الرتبة العسكرية، ومحاولة يائسة لشرعنة الفوضى بالخيوط والنجوم، فحين تتساوى الرتبة الحقيقية مع رتبة الخلاء، تختلط المعايير، ويضيع الفرق بين من حمل السلاح دفاعاً عن الوطن، ومن حمله اعتداءً عليه

اني من منصتي …. اقول : في كادوقلي ضحكنا من حكاية علي حسب علاقتك مع الترزي !
اليوم لم تعد مضحكة
لأن المليشيا لم تكتفِ بسرقة الأرض والدم،
بل قررت أن تسرق الرتب أيضاً…
وتمنحها لمن لا يملك منها سوى الكتف ، ويابختكم ياترزية دارفور …..مصائب قوم عند قوم فوائد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى