مقالات الظهيرة

(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب…. من يملأ الفراغ في كوب السيادي؟

هذه الأيام، لا تمرّ في الوسط مرور الكرام، رياح المنافسة تعصف بمنصب السيادي ممثلاً للوسط، بعد أن لبست بنت عبد الجبار نعلاتها وغادرت المشهد استقالة ، تاركة فراغاً أكبر من مقعد، وأعمق من منصب، فراغاً فتح شهية الطامحين، وأيقظ جيوش الملمّعين، ومدّ موائد المديح حتى كادت تتحول إلى بلاط جديد تُنشد فيه قصائد لو سمعها المتنبي نفسه لاستحيا !!

ظهر أشخاص لم تصنعهم التجربة ولا صنعتهم المعارك، بل صاغتهم الميديا، ونفخت فيهم منصات التواصل، ونسجت حولهم هالات من ضوء زائف، حتى صار الواحد منهم يمشي وعلى رأسه طاقية أكبر من رأسه، لأن خيوط التلميع كثرت وثقلت، بعضهم دفع ثمن المدح فصنع الملمعين له (كريم تلميع) ، فارتفعت النبرة، وتورّم الوصف، حتى صار العادي بطلاً، والعابر زعيماً

 

الوسط، هذا الإقليم الذي ظل مهضوماً في كل الحكومات، لم ينل يوماً ما يستحقه من تمثيل حقيقي، لم يحظَ بشخصية تملك كاريزما سياسية تُجمع حولها القلوب قبل الأصوات، وتلتف خلفها القواعد قبل المنصات، من مرّوا عليه تركوا عجاج الزيارات ، لكنهم لم يتركوا أثراً يُمسك باليد ويُرى بالعين، زيارات، صور، تصريحات، مقصات تُقصّ بها أشرطة مشاريع لم يساهموا فيها، وخطب تبدأ بـ(نوجّه) وتنتهي بـ(سوف) ، وكأن الوسط محكوم عليه أن يعيش دائماً في زمن الوعد لا في زمن الفعل

 

الوسط لا يريد سيادياً يكثر من الافتتاحات التي يكون هو فيها (سلاق بيض) ! ولا يفتح أبواب الحل، لا يريد من يُجيد الوقوف أمام الكاميرا ويُخفق في الوقوف مع المواطن، لا يريد من يحفظ بروتوكولات المنصات ويجهل تفاصيل المعاناة، يريد شخصية قومية الهوية، وسطية الانتماء، قوية الإرادة، ثاقبة الفكر، واسعة القبول، أمينة اليد واللسان، قادرة على تحويل النفوذ إلى إنجاز، والموقع إلى مشروع، والسلطة إلى خدمة،

يريد من يملأ فراغ الكوب، لا من يكتفي بالتقاط الصور حوله، من يزرع قبل أن يحصد، ويبني قبل أن يفتتح، ويعمل قبل أن يتحدث، من يفهم أن كلمة نوجّه هزمت كثيرين، وأن سوف صارت من أكثر المفردات بغضاً عند أهل الوسط، لأنها اختُزلت في تاريخ طويل من التسويف والانتظار والخذلان

 

إني من منصتي أنظر…. حيث أقول : السؤال معلّق في سقف المشهد: من يملأ الفراغ في كوب السيادي من الوسط؟ سؤال لا يُطرح في المجالس فقط، بل يُرفع مباشرة إلى السيد رئيس المجلس السيادي، هل يكون صلاح الدين (بمصطريمته)؟ أم نفيسة (بطوريتها)؟ أم أن الوسط ينتظر وجهاً ثالثا ( خاتف ألوان ) !

المعركة ليست بين أسماء، بل بين مشروعين: مشروع التلميع ومشروع التغيير، بين من يرى المنصب سلّماً، ومن يراه عبئاً ومسؤولية ، الوسط الذي صبر طويلاً، لم يعد يحتمل نسخة جديدة من خيبة قديمة، هنا لا مكان للزينة، ولا وقت للتجريب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى