(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب… كل دمعة تقول : بَرِيدِك !
أغنية (يعني كيفن ما بريدك)؟ حالة وجدانية مكتملة، تُمسك بالقلب من أول كلمة وتتركه معلقًا حتى آخر نغمة، هي واحدة من تلك الأعمال التي لا تُسمَع فقط، بل تُعاش، لأن فيها صدقًا عاريًا لا يتجمل، وحنينًا لا يعتذر عن ضعفه،
في كلمات الشاعر الرقيق عزمي أحمد خليل، نجد لغة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها، تعتمد على المكاشفة لا الاستعراض، وعلى البوح لا الزخرفة، السؤال المركزي (يعني كيفن ما بريدك ) ؟ احتجاج عاطفي، دهشة عاشق أمام استحالة الإنكار ، الشاعر لا يحاول إقناع الآخر بحبه، بل يبدو وكأنه يحاول إقناع نفسه بأن هذا الحب قدر لا فكاك منه، تتكرر مفردة (الريد) كنبض في السلام، في الكلام، في العين، في اليد، في القلب… حتى يصير الحب حالة جسدية كاملة، لا فكرة ولا ادعاء
البلاغة هنا ناعمة، لا تصرخ، لكنها تُحكم قبضتها بهدوء، الصور تأتي من الحياة اليومية، من نظرة العين، من المصافحة، من الصمت الذي يسبق الكلام، ومن العجز عن قول ما يجب قوله حين يحضر المحبوب، هذا العجز نفسه يتحول إلى شعر، إلى اعتراف إنساني شفيف: كيف تكون الكلمات قاسية، وكيف تُنسى الجُمل المعدّة سلفًا عندما تلتقي العيون، في هذا الصدق تحديدًا تكمن قوة النص، لأنه يشبهنا، ويشبه لحظاتنا التي لا نحسن التعبير عنها
أما اللحن، فقد جاء وفيًّا للنص، لا يتجاوزه ولا يثقله. لحن خوجلي عثمان ينتمي إلى مدرسة العذوبة السودانية الخالصة، حيث الانسياب أهم من التعقيد، وحيث المساحة تُترك للصوت كي يحكي، الجملة اللحنية تمشي على مهل، كأنها تعرف أن الكلمات حساسة، وأن أي استعجال قد يجرحها، اللازمات الموسيقية لا تزاحم المعنى، بل تفتح له نوافذ، تعيده إلينا في كل مرة أكثر دفئًا، وأكثر رسوخًا في الوجدان
الموسيقى هنا شراكة شعورية
وصوت الفنان الراحل خوجلي عثمان هو العنصر الذي منح الأغنية روحها النهائية، صوته لم يكن مجرد أداة أداء، بل وعاء إحساس، ذلك الصوت الدافئ، المشبع بالشجن النبيل، أضاف للنص بُعدًا إنسانيًا عميقًا، خوجلي لا يغني الكلمات، بل يعيشها، يهمس بها أحيانًا، ويتركها تنكسر قليلًا حين يجب أن تنكسر، إحساسه العالي جعلك تصدق كل حرف، وكأن الأغنية كُتبت لك وحدك، أو كأن صوته كان ينتظر هذا النص ليبوح بما فيه،
ما أضافه خوجلي عثمان تحديدًا هو الصدق غير المتكلف، لم يبالغ، لم يصرخ، لم يستعرض حزنه، بل ترك العاطفة تمشي بطبيعتها، وهذا ما جعل الأغنية تعيش وتبقى ، تشعر وأنت تستمع إليها أن هناك رجلًا يجلس أمامك، يحكي لك قصة حب دون ادعاء بطولة، ودون أقنعة
إني من منصتي أري… أن هذا الدلق العسلي المصفي هو عمل يتكامل فيه النص واللحن والصوت، ليصنع أغنية تُشبه الذاكرة الجميلة التي لا تشيخ. أغنية كلما عادت، أعادت معها إحساسًا قديمًا، وذكّرتنا أن بعض الكلمات حين تُقال بصدق، وبعض الأصوات حين تُغني من القلب، تظل قادرة على لمسنا مهما طال الزمن.



