مقالات الظهيرة

(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب… الإتحاد الإفريقي… شَخْبِط شَخَابيط لَخْبِط لَخَابيط !!

في السياسة لا تُقاس المواقف بما يُقال في البيانات، بل بما يحدث على الأرض، وحين نضع التقارب الإماراتي مع مفوضية الاتحاد الأفريقي تحت مجهر الوقائع، لا تبدو الصورة بريئة ولا عابرة، بل مشبعة بروائح المصالح الثقيلة، ومحمّلة بأسئلة أخلاقية وسياسية كبرى، أهمها: كيف يمكن الحديث عن سلام في السودان بينما تُفتح الأبواب الخلفية لتفاهمات لا يرى فيها السودانيون سوى خراب وطنهم؟

 

الإمارات ليست فاعلًا محايدًا في المشهد السوداني، هذه حقيقة باتت راسخة في الوعي العام السوداني، لا باعتبارها دولة خليجية بعيدة جغرافيًا، بل طرفًا حاضرًا بماله ونفوذه وشبكاته، ومتورطًا بحسب اتهامات رسمية سودانية في دعم مليشيا أشعلت الحرب ومزقت الدولة ، وعندما تُتهم دولة بأنها تساهم في تسليح الفوضى، ثم تظهر في اليوم التالي شريكًا للاتحاد الأفريقي في بيانات السلام والاستقرار فإن التناقض لا يكون دبلوماسيًا فحسب، بل أخلاقيًا إلى حد الفضيحة

 

الاتحاد الأفريقي، الذي أُنشئ أصلًا ليكون مظلة لحماية سيادة الدول الأفريقية من التدخلات الخارجية، فيبدو اليوم وكأنه يتآكل من الداخل، لا بفعل الضغوط وحدها، بل بفعل القابلية للاحتواء، فالتقارب مع الإمارات لا يُقرأ بمعزل عن المال السياسي، ولا عن الاستثمارات المشروطة، ولا عن شبكة المصالح التي تجعل بعض القيادات الأفريقية أقرب إلى سماسرة توازنات منها إلى حماة مبادئ

 

السؤال المؤلم هنا: متى تحوّل الاتحاد الأفريقي من منصة للدفاع عن الشعوب إلى منصة لتدوير الصفقات؟

الإمارات لا تخفي مصالحها في القرن الأفريقي، من الموانئ إلى الزراعة، ومن طرق التجارة إلى النفوذ الأمني السودان، بموقعه وثرواته، ليس تفصيلاً في هذا المشروع، بل جائزة كبرى ، وحين تعجز الأدوات الناعمة عن تحقيق الأهداف، تصبح الفوضى وسيلة، والحرب استثمارًا طويل الأجل ، من هنا يصبح خراب السودان ليس نتيجة عرضية، بل تكلفة مقبولة في حسابات النفوذ ، وهذا ما يجعل أي تقارب إماراتي مع جهة يفترض فيها الحياد، تقاربًا ملوثًا منذ لحظة ولادته

 

الأخطر في هذا المشهد أن الغلاف الإنساني يُستخدم بمهارة لتجميل القبح، حديث عن مساعدات، عن وقف إطلاق نار، عن انتقال مدني، بينما الواقع يقول إن النار لا تنطفئ، والسلاح لا يتوقف، والدم السوداني ما زال أرخص من أن يوقف شهية المصالح، إن استخدام المعاناة الإنسانية كساتر سياسي هو أحد أكثر أشكال النفاق الدولي فجاجة، لأنه يقتل الضحية مرتين: مرة بالسلاح، ومرة بالكذب !

 

التقارب الإماراتي مع الاتحاد الأفريقي، في سياق الأزمة السودانية، ليس مجرد خطأ تقدير سياسي، بل انحراف خطير عن جوهر الدور الأفريقي نفسه، وهو يبعث برسالة قاسية للشعوب: أن السيادة قابلة للمساومة، وأن الدم يمكن أن يُغسل ببيان مشترك، وأن المال حين يتكلم، تصمت المبادئ

 

إني من منصتي أنظر ….حيث أري…أن السودان لا يحتاج إلى وسطاء يتقنون لغة البيانات، بل إلى مواقف واضحة لا تحتمل الرمادية، والاتحاد الأفريقي إن أراد إنقاذ ما تبقى من مصداقيته، عليه أن يختار: إما أن يكون مع الشعوب وحقها في دولة مستقلة، أو أن يُسجل في ذاكرة التاريخ كأحد الشهود الذين باعوا صمتهم في سوق المصالح، أما الإمارات، فمهما حاولت إعادة تدوير صورتها، سيبقى سؤال واحد يطاردها: كيف تدّعي السلام و هي تتخضب بطين بالوعات الدم في بلادنا ؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى