(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب…. أمّاه لا تجزعي: صرخة الصمود وعنوان الشهادة

هذه الكلمات لا تُقرأ باعتبارها قصيدة كتبها د.عمرو خليفه النامي فحسب، بل بوصفها وثيقة روحية مكتوبة بمداد الألم واليقين، نصٌّ خرج من عنبرٍ ضيّق في سجنٍ مركزي، لكنه امتدّ كأفقٍ مفتوح، وتحوّل من تجربة فردية إلى وجدانٍ جمعي، ومن أنين معتقل إلى نشيد أمة تتلمّس طريقها وسط عتمة الطغيان
منذ النداء الأول: (أمّاه لا تجزعي) يدخل النص في منطقة عالية الشحنة العاطفية، حيث تتحوّل الأم من رمزٍ للحنان إلى أيقونة للصبر والصلابة، النداء هنا ليس بكائياً، بل تأسيسٌ فلسفي لموقف كامل من الحياة والموت، فالشاعر لا يطلب من أمه أن تتحمّل فقط، بل أن تبتسم، أن تزغرد، أن تعلن انتصار الروح على الفاجعة، إنها قطيعة جذرية مع منطق الحزن التقليدي، وبناء لمعنى جديد للكرامة: أن يكون الفقد ذاته فعلاً من أفعال العزة
البلاغة في النص تقوم على مفارقة كبرى: تحويل عناصر الفناء إلى أدوات بناء. ففي قوله: (ومن جماجمنا نرسي زواياه)، يبلغ التعبير قمته
الجماجم، وهي أقصى رمز للموت، تتحوّل إلى أساس للعمران المعنوي. الدم لا يُسفك عبثاً، بل يُسقى به الغرس، وكأن الشاعر يعيد تعريف معنى الشهادة: ليست نهاية الجسد، بل بداية الطريق، هذه الصورة وحدها كفيلة بأن تنقل القصيدة من مستوى العاطفة إلى مستوى الفلسفة، ومن الشعر إلى الرؤية
العاطفة في النص ليست عاطفة منكفئة، بل عاطفة مقاتلة، إنها مشبعة باليقين، متحررة من الشك، رافضة للخنوع، يتكرر نداء الأم ليؤكد أن العلاقة هنا ليست علاقة ضعف، بل علاقة تكامل: الأم تصنع الثائر، والثائر يعيد تعريف دور الأم ، في هذا التبادل الرمزي، تتكوّن معادلة نادرة: الحنان يولد الشجاعة، والشجاعة تعود لتمنح الحنان معنى أسمى
أما القوة، فهي لا تنبع من الصراخ، بل من الهدوء العميق الذي يسبق العاصفة. القصيدة لا تلعن الطغيان، بل تحقره. لا تصرخ في وجه السجّان، بل تتجاوزه أخلاقياً، تصفه بالشبح، وتمنحه حجماً أقل من الإنسان الحر، هنا تكمن عبقرية النص: أنه يسحب من الطاغية سلاحه الأخطر، وهو الهيبة، ويحوّله إلى كائن هزيل أمام سطوة المعنى
وفي زمن الطغيان، تتضاعف قيمة هذه الكلمات، فالنص لا يكتفي بإدانة القهر، بل يصوغ مشروعاً أخلاقياً كاملاً للمقاومة: صبر، يقين، وسمو. لا دعوة إلى الانتقام، بل إلى التفوّق الروحي، لا تحريض على العنف، بل تحريض على التحرّر الداخلي وكأن الشاعر يقول: إن لم تهزم الطغيان في داخلك أولاً، فلن تهزمه خارجه أبداً
وحين تتحوّل هذه القصيدة إلى نشيد، فإنها تعبر من النخبة إلى الجماهير، ومن الورق إلى الحناجر، ومن التجربة الخاصة إلى الذاكرة الجماعية، التكرار الإيقاعي لعبارة (خفق اللواء لواؤنا؟) يمنح النص بعداً حركياً، يجعل الكلمات كأنها تسير، لا تُتلى، وتقاتل، لا تُغنّى. وهنا تتحوّل البلاغة من فن لغوي إلى طاقة تعبئة
إني من منصتي…. كلما اسمع هذه القصيدة أحس…… أنها قصيدة كُتبت خلف القضبان، لكنها بلا أسوار، خرجت من رحم القهر، لكنها لا تحمل رائحته. وُلدت في لحظة ضعف ظاهري، لكنها صنعت أقسى بيان قوة روحية، ولهذا، بقيت حيّة، عصيّة على الزمن، لأن من كتبها لم يكن يراهن على العمر، بل على الخلود
هذه ليست كلمات شاعر… بل وصية شهيد.



