مقالات الظهيرة

(من أعلي المنصة)ياسر الفادني يكتب….. أسأل إمرأة عن عمرها… وأسأل أمريكا عن قتلاها… ثم ابتسم !

هناك أمران اشتهرا عبر التاريخ بأن الحقيقة فيهما تُخفى خلف ستار كثيف: امرأة تُسأل عن عمرها الحقيقي، وعدد القتلى في معركة حربية، في الحالتين تكون الحقيقة موجودة… لكنها لا تُقال كاملة،

في الحروب تحديداً، تتحول الأرقام إلى سلاح مثل الصواريخ تماماً، كل طرف يقلل من خسائره ويضخم خسائر خصمه، فتخرج البيانات الرسمية كأنها تقارير طمأنة لا تقارير حرب

 

الولايات المتحدة أعلنت عبر البنتاجون أن عدد قتلى جنودها حتى الأمس بلغ ثمانية فقط، لكن التقارير غير الرسمية تلمّح إلى رقم أكبر بكثير، أما إسرائيل فكالعادة تحرص على تقديم صورة الصلابة، فتتحدث عن قتلى محدودين جراء الهجمات الإيرانية، بينما المشهد على الأرض كما يهمس به بعض المراقبين يوحي بأن الكلفة أعلى مما يُعلن

 

الحقيقة في مثل هذه اللحظات لا يعرفها إلا من يقف في قلب الحدث: الصحفي الذي يرى بعينه، أو المراقب الذي يتابع تفاصيل الميدان، لكن حتى هؤلاء غالباً ما تُغلق أمامهم الأبواب، وتُفرض عليهم حجب المعلومات، فالسلطة في زمن الحرب لا تحب العيون التي ترى أكثر مما يجب

 

قبل أيام سرب صحفي هندي يقيم في إسرائيل معلومات عن حجم الخسائر وعدد القتلى والدمار الذي أحدثته الضربات، نشر ما رآه أو ما وصل إليه من معلومات، لكن مثل هذه الجرأة في زمن الحرب ليست بلا ثمن، مثل هذه القصص غالباً ما تنتهي بصمت مفاجئ… كأن صاحبها اختفى في خبر كان

 

الحقيقة التي يعرفها الجميع، وإن لم تُكتب في البيانات الرسمية، أن الأرقام المعلنة في الحروب ليست سوى جزء صغير من الحقيقة، فكل الجيوش في العالم تقريباً تتبع المنهج ذاته: تقليل الخسائر قدر الإمكان في الإعلام، لأن الاعتراف بالحجم الحقيقي للنزيف قد يهز المعنويات في الداخل ويمنح الخصم نصراً نفسياً مجانياً

 

لكن ما لا يمكن إخفاؤه طويلاً هو حجم الكلفة الحقيقية لهذه المواجهة ، فالمؤكد أن الخسائر ليست صغيرة، لا عند الولايات المتحدة ولا عند إسرائيل، ولا حتى عند إيران نفسها، بل إن نيران هذه المواجهة امتدت أيضاً إلى دول الخليج التي وجدت نفسها في مرمى الاستهداف، سواء في البشر أو في الموارد الاقتصادية

 

دونالد ترامب فتح باباً من النار يصعب إغلاقه الآن، ما ظنه خطوة تكتيكية سريعة تحول إلى معركة مفتوحة ، كان يعتقد أن اغتيال القائد الأول في إيران سيكسر العمود الفقري للنظام هناك، ويفتح الطريق لاجتياح سهل وتغيير سريع في التوازنات السياسية داخل طهران، ظن أن إيران يمكن أن تسقط بسهولة كما تسقط دول منهكة أو معزولة

 

لكن الحسابات على الورق شيء… والواقع شيء آخر،

إيران لم تكن فنزويلا، ولم تكن بنما، هي دولة اعتادت أن تبني قوتها في صمت، وتستعد لسنوات طويلة لمثل هذه اللحظة، الرد الإيراني لم يتجه فقط إلى إسرائيل، بل تمدد إلى الدول الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة، ليقول رسالة واضحة: المعركة ليست محدودة كما يتصور البعض

 

وفي الخلفية، تقف دول كثيرة لا تخفي عداءها لواشنطن، ربما لا تظهر في الواجهة الآن، لكنها بلا شك تتابع المشهد بابتسامة باردة، فكل ضربة موجعة تتلقاها الولايات المتحدة أو حلفاؤها تبدو بالنسبة لهم خبراً جيداً، حتى لو جاء الدعم لإيران في شكل غير معلن

 

الحرب الآن أكبر من حادثة اغتيال، وأوسع من ضربة صاروخية هنا أو هناك، إنها معركة حسابات خاطئة وتقديرات استخباراتية لم تكن دقيقة كما ظن أصحابها

 

إني من منصتي أنظر…. حيث أري…. أن الصورة تبدو أكثر تعقيداً مما يقال في البيانات الرسمية، الأرقام تكذب، والبيانات تُجمَّل، والحقائق تُخفى… لكن صوت الانفجارات لا يكذب،

والواضح أن هذه ليست معركة تُطفأ بسهولة.

إنها نار اشتعلت… وربما لن يعرف أحد متى وكيف تنطفئ، إلا الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى