مقالات الظهيرة

(من أعلى المنصّة) ياسر الفادني يكتب…. ماذا وراء الأكمة؟

الذي يقرأ مشهد الحرب الدائرة الآن بين أمريكا وإيران، ويقلب صفحاته بوعي لا بعجلة، يدرك سريعًا أننا لسنا أمام مواجهة عسكرية تقليدية، بل أمام زلزال استراتيجي كشف العورات كلها بلا رتوش، حرب تعرّت فيها منظومات الدفاع، وسقطت فيها أوهام الردع، وتكسّرت عند أقدامها أساطير الحماية المطلقة التي طالما تسوّقت لها دول الخليج على أنها درع النجاة وبوليصة التأمين الأبدي

 

هذه الحرب، وبكل صلافة، أعلنت أن تلك الدول كانت تقف عارية إلا من ظلّ أمريكا، وأن جيوشها لم تُبنَ للدفاع، بل للاستهلاك الاستعراضي، وأن مليارات السلاح لم تُشترَ لبناء قوة حقيقية، بل لشراء الطمأنينة المؤقتة، لم نرَ ردًا عمليًا واحدًا، لم نسمع بصاروخ انطلق، ولا بدفاع جوي اعترض، ولا بمنظومة أرضية أسقطت، رأينا سماءً مفتوحة، وأرضًا مكشوفة، وإعلامًا يمسح الدم بالمساحيق

 

الخسائر كانت موجعة، لكن الرواية الرسمية اختزلتها، ولفّتها بورق التطمين الكاذب، خوفًا من ذعر داخلي، ورعبًا من سؤال أكبر: أين ذهب كل هذا المال؟ وأين ذهبت تلك الترسانات التي قيل إنها تملأ الصحارى والبحار؟

 

الأخطر من القصف ذاته، أن أمريكا نقلت الصراع بذكاء شيطاني من مواجهة واضحة مع إسرائيل إلى صراع إسلامي – إسلامي، بدل أن تبقى المعركة في مسارها الطبيعي: مسلم في مواجهة مشروع صهيوني، جرى تحويرها إلى اقتتال داخل البيت الواحد، لتصفق تل أبيب من بعيد، ويبتسم اللوبي اليهودي وهو يرى المسلمين يطحن بعضهم بعضًا، ويستنزفون دمهم وسلاحهم واقتصادهم في معارك بلا بوصلة

 

المتابع لمسار الحرب يرى بوضوح أن أمريكا حين اشتد الضرب، هرعت لحماية إسرائيل، وتركت حلفاءها الخليجيين عراة أمام النار، تدافع عن الكيان بلا تردد، لكنها تكتفي ببيانات باردة حين تُقصف القواعد والمنشآت في دول دفعت دم قلبها ثمنًا للتحالف، وهنا ينكشف جوهر المعادلة: إسرائيل أولًا، وما بعدها تفاصيل قابلة للحرق

 

من ترك حظيرة غنمه للذئاب، فلا يلومنّ إلا نفسه إن استيقظ على قطيع ممزق، ومن نام قرير العين، ودفع ماله لغيره ليحرسه، سيصحو يومًا ليجد الحارس قد باعه في أول مزاد، ومن ظن أن للثعلب دينًا، أو للذئب وفاءً، فقد قرأ التاريخ مقلوبًا

 

هذه الحرب تقول بصوت مدوٍ: لا حماية مستوردة، ولا أمن مستعار، ولا سيادة تُستأجر. الأمن يُصنع في الداخل، والكرامة تُبنى بالاعتماد على الذات، والردع الحقيقي لا يُشترى، بل يُصاغ بالعرق والعقيدة والإرادة

 

إني من منصتي أنظر …. حيث أرى أن ما وراء الأكمة أعظم: خريطة جديدة تُرسم بالنار، وتحالفات تُختبر بالدم، وأقنعة تتساقط، لتبقى الحقيقة عارية: من لا يملك قراره، لا يملك مصيره… ومن يراهن على الخارج، سيُدفن تحت أنقاضه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى