من أعلى المنصة) ياسر الفادني يكتب…. الكِيشة… قَدِّموا وبلّوا وفُوتوا !!

هذا العنوان ليس زينة لغوية، ولا شطحة بلاغية، بل منهج كامل الأركان، يصلح للملعب كما يصلح لساحة الحرب، ويُدرَّس في مدارس التكتيك قبل أن يُقال في المجالس، ففي كرة القدم، حين تواجه خصماً صلب الدفاع، لا تكسره بالقوة المباشرة، بل تستدرجه للأمام، تفتح له الشهية للهجوم، تخلخل توازنه، وتتركه يندفع حتى تنكشف ثغراته، وهناك يحدث “البلّ”، ويأتي الهدف، ثم يتقدّم الفريق ويمضي في فرض إيقاعه هذا هو جوهر (الكِيشة)
عسكرياً، نحن أمام نظرية استدراج تكتيكي محسوب، تُدار فيها المعركة بالعقل لا بالاندفاع، وبالصبر لا بالتهوّر ، ما فعلته القوات المسلحة في هذه الحرب هو تطبيق حيّ ودقيق لهذا المنهج:
فتحت للمليشيا أبواب التمدد، وتركت لها مساحات تتحرك فيها، ففرح العدو، وانتفش، ووزّع قواته على رقعة واسعة، مشتتة، مرهقة، بلا عمق حقيقي ولا خطوط إمداد آمنة،هنا بالضبط قُدِّمت الكِيشة!
المليشيا ظنّت أن التمدد نصر، وأن الانتشار سيطرة، وأن كثرة النقاط قوة، ولم تدرك أنها كانت تسير إلى الفخ بخطى واثقة، دخلت مدناً وقرى ومناطق أكثر مما تستطيع حمايته، فتمدّدت حتى تخلخل جسدها، وتشقق عمودها الفقري، وانهارت منظومة القيادة والسيطرة لديها
وهنا بدأ البلّ.
ضربات دقيقة، موجعة، ذكية.
استهداف متحركات كاملة، إبادة أرتال بكامل عتادها، ضرب مخازن السلاح، شلّ منظومات التشويش، تفكيك غرف القيادة، واصطياد قيادات بارزة في العمق
لم تكن هذه ضربات استعراضية، بل عمليات جراحية تُصيب العصب مباشرة
كل غارة كانت تُفقد المليشيا طبقة جديدة من توازنها، وكل عملية كانت تسحب منها قطعة أخرى من قدرتها على القتال.
ثم جاء الفوت.
التحام القوات في عدة محاور، التقدم الأرضي المنظم، استعادة زمام المبادرة، وتحوّل المليشيا من حالة الهجوم المندفع إلى وضعية الدفاع المذعور
لم يعد العدو يختار زمان المعركة ولا مكانها، بل صار يتلقاها حيث شاء الجيش، ومتى شاء الجيش، وبالطريقة التي شاءها الجيش
الأثر العسكري لهذا المنهج على المليشيا كان مدمراً على مستويين:
أولاً: الصدمة النفسية والمعنوية.
المليشيا التي كانت تتغذى على وهم التفوق السريع، وجدت نفسها فجأة في دوامة من الضربات غير المتوقعة، لم تعد تثق في تحركاتها، ولا في تجمعاتها، ولا حتى في قياداتها، صار الخوف يسبقها إلى أي منطقة، والقلق يرافق كل تحرك، والشك ينهش صفوفها من الداخل
ثانياً: الاستنزاف العملياتي
تشتت الجهد، تآكل الموارد، تهالك الأفراد، انهيار منظومة الإمداد، واضطراب القيادة والسيطرة، تحوّل التمدد إلى عبء، والسيطرة إلى وهم، والانتشار إلى مصيدة مفتوحة.
أما على القوات المسلحة، فقد كان الأثر معكوساً تماماً:
تعزيز الثقة، رفع الروح المعنوية، ترسيخ الإيمان بالخطة، وتكريس مفهوم أن المعركة تُدار بالعقل قبل السلاح
تحوّل الجيش من ردّ الفعل إلى صانع الحدث، ومن الدفاع التكتيكي إلى الهجوم الاستراتيجي، ومن الصبر القتالي إلى الحسم المرحلي المدروس
الجيش السوداني لم يقاتل بعجلة، بل بحكمة
لم يندفع خلف الضجيج، بل بنى معركته على تراكم الضربات
لم يستعرض قوته، بل استثمرها في اللحظة المناسبة.
الكِيشة… قَدِّموا وبلّوا وفُوتوا.
هكذا تُدار المعارك الكبرى.
وهكذا تُهزم المليشيات عندما تواجه جيشاً يعرف متى يتراجع، ومتى يستدرج، ومتى يضرب، ومتى يتقدّم.


