(من أعلى المنصة) ياسر الفادني يكتب… الفَرَّا أُم دَرَة ولا القَعْدَة أم بُوم !

كثيرًا ما تروق لي تلك الزيارات الخارجية التي يقوم بها رئيس مجلس السيادة أو رئيس الوزراء أو أي قيادي سوداني إلى عواصم العالم، لأنها رسائل سياسية مكتوبة بحبر المصالح، وموقّعة باسم الدولة، وممهورة بختم الكرامة الوطنية، هي أسفار تُربك خصوم السودان قبل أن تُرضي أصدقاءه، وتفتح نوافذ واسعة في جدار العزلة، وتُشعل حرائق في صدور من لا يريدون لهذا البلد أن ينهض، وأقصد من (تقحت أو تصمد أو تأسس او تملش ) !
وكل من لفّ لفّهم في طابور التآمر الطويل
هذه الزيارات هي خطوات محسوبة على رقعة شطرنج إقليمية معقّدة، كل نقلة فيها تُربك حسابات وتُسقط رهانات ، حتى زيارات الدول الصديقة التي تقف مع السودان وقضيته العادلة، كزيارة فرحان إلى إثيوبيا، وكذلك زيارة اردوغان لأبي آحمد.، تحمل في طيّاتها أكثر مما يظهر في بياناتها الختامية
هي زيارات تضغط حيث يجب، وتُربك حيث يلزم، وتضع النقاط الثقيلة فوق حروف السياسة الرخوة، زيارة وزير الخارجية السعودي إلى آبي أحمد، على سبيل المثال، لن تمر مرور الكرام، ولن تُطوى في أرشيف المجاملات الدبلوماسية
نتائجها ستظهر تباعًا، كما تتسرّب المياه من تحت الصخور الثقيلة، بعض المواقع تحدثت عن طرد آبي أحمد (لأب شوتال) ومرتزقته من داخل إثيوبيا، وهي خطوة إن صحت فهي ليست معزولة عن هذا الحراك الإقليمي الضاغط، بل نتيجة مباشرة له ، فحين تتحرّك الرياض، لا تتحرّك للفرجة، وحين تطرق الأبواب، لا تفعل ذلك بقبضة واهنة
هذه الزيارات وضعت آبي أحمد في زاوية حرجة، إذ فتحت عليه جبهات القتال من كل اتجاه، وتكاثرت عليه الضغوط حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت ، فالرجل الذي اعتاد المناورة وجد نفسه فجأة محاصرًا بوقائع أقسى من خطاباته، وبمعادلات أعقد من شعاراته، فكان التراجع خيارًا أقل كلفة من الاستمرار في العناد، السياسة، في نهاية المطاف هي حساب خسائر وأرباح، ومن لا يحسن الحساب، تلتهمه الفواتير
أما الزيارات السودانية نفسها، فهي حجر في بحيرة راكدة منذ سنوات. كل زيارة يقوم بها قيادي سوداني تفتح نافذة أمل، وتعيد تعريف السودان في أذهان الآخرين: دولة تقاتل من أجل بقائها، نعم، لكنها أيضًا دولة تعرف كيف تفاوض، وكيف تبني تحالفات، وكيف تحوّل معركتها الداخلية إلى قضية إقليمية عادلة، هذه الزيارات ترفع سقف القبول الدولي، وتكسر جدار التجاهل، وتعيد للسودان مكانته التي حاول البعض دفنها تحت ركام الفوضى
إني من منصتي أنظر……حيث أقول: صدق المثل السوداني حين قال (الفرة أم درّة ولا القعدة أم بوم) فالحركة، مهما كانت محفوفة بالمخاطر، تظل أشرف من سكونٍ عفن، والذهاب، مهما كان شاقًا، أكرم من قعدة بلا أفق، في السياسة كما في الحياة، من يختَر المشي يصل، ومن يرضَ بالجلوس يذبل. والسودان اليوم، وسط هذا الركام كله، اختار أن يمشي، وهذا وحده سبب كافٍ للتفاؤل.



