سوشال ميديا

صراع النفوذ.. تحالف “صمود” في مهب الريح

الظهيرة – تقرير : عثمان عبدالهادي :

​شهد تحالف “صمود” في مطلع أبريل 2026 تصدعات عميقة هددت بنيانه التنظيمي، حيث طفت على السطح خلافات حادة بين قطبين رئيسيين: تيار يقوده عبد الله حمدوك مدعوماً بشخصيات تكنوقراطية، وآخر يتزعمه ياسر عرمان بظهير حزبي صلب. يتمحور الصراع حول أحقية القيادة والسيطرة على القرار السياسي، وسط اتهامات متبادلة بالإقصاء وتهميش الآخر.

ويعكس هذا المشهد حالة من الاستقطاب الحاد التي قد تؤدي إلى انقسام التحالف، مما يضعف وزنه السياسي في مرحلة مفصلية تتطلب وحدة الصف الوطني.

​■ أزمة شرعية

وتتجلى بوادر الانقسام في التشكيك المتبادل حول أهليّة القيادة، حيث يتبنى تيار عرمان رؤية نقدية ترى في حمدوك شخصية تجاوزتها متطلبات المرحلة الراهنة. وفي المقابل، يستميت أنصار حمدوك في الدفاع عن وجوده كصمام أمان يضمن التوازن بين المكونات المدنية والشرعية الدولية، معتبرين أن تجاوزه يمثل مغامرة غير محسوبة العواقب قد تفقد التحالف اعترافه الخارجي وتماسكه الداخلي الهش.

​■ تحالفات حزبية

دخلت الاصطفافات الحزبية كعامل تأزيم إضافي، إذ يسعى حمدوك لتمتين جبهته بضم الحزب الجمهوري كحليف استراتيجي يمنحه عمقاً فكرياً وسياسياً. هذا التحرك قوبل بحذر، خاصة مع وجود “فيتو” متبادل تجاه قوى أخرى؛ حيث يظهر تحفظ حمدوك جلياً على جناح البعث بقيادة السنهوري، مدفوعاً بمرارات وخلافات تاريخية تعود لفترة الانتقال، مما جعل التوازنات الحزبية ساحة لتصفية الحسابات القديمة.

​■ دبلوماسية مالية

تمثل العلاقات الخارجية حجر الزاوية في ترجيح كفة حمدوك، حيث تستند مجموعته إلى شبكة علاقات دولية وإقليمية واسعة، لا سيما مع دولة الإمارات. هذه “الدبلوماسية المالية” تمنح حمدوك قدرة فائقة على إدارة الملفات السياسية المعقدة، وهو ما يراه مؤيدوه ميزة تنافسية لا تتوفر لمنافسيه، بينما ينظر إليها خصومه كمصدر قلق قد يرهن قرار التحالف المستقل لصالح أجندات خارجية.

​■ تمثيل دولي

انفجرت الأزمة بشكل علني عقب الجولة الأوروبية الأخيرة للتحالف، والتي كشفت عن غياب تام لرموز تيار عرمان عن وفود التمثيل الخارجي. واقتصرت البعثات الدبلوماسية على الموالين للدائرة الضيقة لحمدوك، باستثناء ظهور محدود لخالد سلك. هذا التغييب اعتبره تيار عرمان محاولة صريحة للإقصاء الدولي، وخطوة استباقية لرسم ملامح القيادة المستقبلية بعيداً عن الشركاء الحزبيين الفاعلين في الميدان.

​■ صراع نفوذ

جوهر الخلاف الراهن لا يتعلق ببرامج سياسية أو رؤى وطنية متباينة، بل هو صراع كلاسيكي على النفوذ والسيطرة الكلية. يسعى كل طرف لفرض هيمنته على مفاصل القرار داخل التحالف، مما حول الاجتماعات التنظيمية إلى حلبة للمنافسة الشخصية. هذا النوع من الصراعات غالباً ما ينتهي بفرض إرادة الطرف الأقوى أو الوصول إلى طريق مسدود يستحيل معه العمل المشترك.

​■ تكنوقراط مستقل

تعتمد مجموعة حمدوك في حشدها على ثقل الشخصيات المستقلة والكيانات غير الحزبية، مثل لجان المقاومة والنقابات المهنية.

هؤلاء يرون في حمدوك رمزاً للتكنوقراطية القادرة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة العصر، بعيداً عن المناورات الحزبية الضيقة. هذا الظهير يمنح حمدوك شرعية “شعبية ونخبوية” موازية للشرعية التنظيمية التي تحاول الأحزاب التقليدية انتزاعها منه في أروقة التحالف.

​■ تيار حزبي

في الجبهة المقابلة، يرتكز ياسر عرمان على تحالفات حزبية منظمة وتكتلات سياسية تمتلك خبرة واسعة في العمل التنظيمي. هذا التيار يسعى بشكل منهجي لإعادة هيكلة التحالف بما يضمن تقليص صلاحيات حمدوك أو إبعاده تماماً. وجهة نظرهم تتلخص في أن العمل الجماعي يجب أن يقوده سياسيون محترفون وليس شخصيات تعتمد على الكاريزما الشخصية أو الدعم الخارجي المتقلب.

​■ مخاطر الانقسام

تتصاعد المخاوف من تحول هذا الاستقطاب إلى انقسام عميق يفرز جناحين متوازيين، أحدهما بقيادة حمدوك والآخر بقيادة عرمان. مثل هذا السيناريو سيؤدي حتماً إلى تآكل الثقة الشعبية في “صمود”، ويجعل التحالف طرفاً ضعيفاً في أي مفاوضات مستقبلية. إن استمرار تفتيت الكتلة المدنية يصب مباشرة في مصلحة القوى المناهضة للتحول الديمقراطي، مما ينذر بكارثة سياسية شاملة.

​■ سيناريوهات التسوية

تبدو خيارات الحل محصورة في التوصل لآلية معقدة لتقاسم السلطة، ربما بضغط من أطراف دولية وسيطة. المقترح المطروح يميل لبقاء حمدوك كواجهة دبلوماسية ورمزية للتحالف، مع منح مجموعة عرمان الصلاحيات التنظيمية والسياسية الأوسع على الأرض. نجاح هذه الصيغة يعتمد كلياً على قدرة الطرفين على تقديم تنازلات مؤلمة للحفاظ على الحد الأدنى من الوحدة التنظيمية.

​■ مستقبل التحالف

يبقى مستقبل تحالف “صمود” رهيناً بمدى تغليب القيادة للمصلحة الوطنية على الطموحات الشخصية. فإذا استمر النهج الحالي القائم على الإقصاء، فإن التحالف يسير بخطى حثيثة نحو التلاشي السياسي. الرهان اليوم هو على قدرة القواعد والنقابات على الضغط لتجاوز هذا المأزق، وإعادة البوصلة نحو الأهداف الكبرى التي تأسس التحالف من أجل تحقيقها بعيداً عن صراعات الكراسي.

​■ رؤية ختامية

يمر تحالف “صمود” بمنعطف تاريخي يهدد وجوده، حيث كشفت أزمة أبريل عن هشاشة التوافقات الداخلية أمام طموحات القيادة. إن الصراع بين مدرستي التكنوقراط والسياسة الحزبية يعكس أزمة أعمق في إدارة التنوع المدني. ما لم يتم تدارك هذا الانقسام عبر ميثاق تنظيمي عادل ينهي سياسات الإقصاء، فإن التحالف سيتحول إلى مجرد ذكرى سياسية، فاقداً للتأثير والفاعلية في تشكيل مستقبل البلاد السياسي المضطرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى