صبري محمد علي (العيكورة) يكتب… (بعيداً عن السياسة) غرفتين جالوص!!

غرفتين (جالوص) قطر و مزيرة ترتاح فى الركن الشمالى الشرقى
و الحوش له باب من (الزنكى) يحرسه لا يكفُّ عن الصرير مع الرياح
هو منزلنا حتى أوائل سبعينيات القرن الماضى
غرفة (يتكوم) فيها الناس وغرفة هى للطبيخ و ريكة الكسرة وشوالات العيش وبقايا الويكة
وللحوش نصيب من العناقريب والأسَِّرة المُبعثرة نحركها حسب الظل شرقاً وغربا .
و أحواض جرجير و ملوخية و رجّلَة كُنّا نزرعها فى الرُكّن الجنوبى من الحوش
وأغنام و بعض دجاجات تشاركها المأوى وحنفية ماء أسفلها ماعون يغمرة الماء هو بمثابة وِّردٍ للطير .
هى تلك أريافنا و قُرانا فى ذلك الزمن الجميل قبل أن تغزوها المدنية و تمسخ برآءتها و تُفقدها هدوئها ونقائها و رونقها .
هكذا كانت (العيكورة) عندما لم يُلوِّث عليل هوائها سوى نذرٌ يسير من (عادم) عربية (قرّاض) و (بورمل) النِّمر ود حمزة
لم تعرف تلك الأيام ما خبث وشاع من الامراض
السوق كُلُّه لا يعرف الثلاجاث سوى ثلاجة إبراهيم ود حاج البشير التى يُشعلها بالجاز الأبيض ليضع عليها زجاجات الليمونادة والبيبسى
وأخرى مثلها بدكان ود الهادى وثالثه ببرندة دكان ود الطيب .
وأذكُر عندما وفدتنا (البيبسى كولا) لأول مرة كانت تحمله سيارات التوزيع الى داخل القرية دون عناء يتكلّفة التاجر .
اليالي المُقمرة أو (ليالى القمرة) كما كُنّا نسميها
كانت لنا بمثابة النادي والمسرح و ملعب (القولف) نتسامر و نُغنى و نُمثِّل و نلعب (شليل)
و(الفات الفات)
وكان حوش عمى عبد الرحمن ود أحمد المنصور هو مرتعنا مع أبناء عمومتنا و أولاد أحمد ود التاى وأولاد عبد الله ود زروق لا يقطع لهونا إلا أصوات الأمهات (كفاكون الواطة صبحت) يدعوننا للعودة
يقصدن أن الصبح قد دنا والليل قد مضى أكثره وعلينا انهاء اللعب والسهر .
وبالطبع كان يتم تنفيذ الأمر فوراً وعند إغلاق أبواب الأحواش وتلك اللحظة الوحيدة التي تُغلق
(فنتكرفس) وسط الأسِّرة و(العناقريب) بأجساد منهكة من العب وعيونٍ بها رهق من السهر والتراب فنغط فى نوم عميق لا يُعكِّرهُ سوى نباح الكلاب وصياح الديكة ونهيق حمار لأحمد ود التاى حفظنا صوته .
الحاجة دار السلام بت الفكى اللّمين (رحمها الله هي وأباها) هى أم لأبناء عمومتى . أهلها من قرية (دلّوت البحر) شرق العيكورة لا يفصلهما سوى النيل و تربطهما معدِّية أحمد ود علي و معدِّية (ود حُجْير)
والدها الفكى اللّمين يُلقّب ب (أندرجو) بتسكين النون
رأيته فى خريف عمره له رتبة لا أعلمها من شيوخ و رجال طابت أهلته أن يكتب (المحاية والبخرات) له هيئة لا يبدلها أبدا بالعراقى الطويل المُسّدل و السروال الطويل والثوب يتقاطع على كتفية ليلامس جُراب وإبريق على ظهره عُلِّقتا بعصاً معكوفة يُمسكها بيده اليُمنى .
هو الفكى اللّمين (أندرجو) والد زوجة عمى عبد الرحمن ود أحمد المنصور و أمنا جميعا بالفريق
فكُنّا اغلب الليالى المُقمرة نتحلق حولها لتُحجِّينا والحُجا هو سرد القصص والطُرف مع تمثيل الأصوات بطريقة تُمكِّن المُستمع الصغير أن يتخيّل مسرح الاحداث .
و يُمكن أن نُسمِّيه (سرد مسرحى) لقصص أثّرت فِينا وفى نمو الشخصية الغضة بزرع قيم وخصالٍ جميلة كانت غالبا ما تنتهي بالشجاعة والكرم و إنتصار الفارس
كانت تُدسُّ بين ثنايا تلك القصص و الحكاوى
وكانت الحاجة دار السلام تُجيد تجسيد الصوت والشخصية و مبدعة فى غرس تلك القيم و تقديمها لنا مثل (فاطنة القصب اللّحمر) و مسرحية موسى ود جلى و يوسف سنينات
وكانت مسرحية شعرية . تُلخِّص أن أهلنا فى الغرب من (بني جرّار) ضاقت بهم الحال بانعدام الأمطار وهددهم الجوع و الجفاف والمحل فارتحلوا بأنعامهم قاصدين ديار الشكرية بالبطانة
وكيف رحب بهم أهلها و لا انسى وهى تُردد لنا قابضة بكف يدها متقمصة صوت الفرسان قائلة :ـــ
حباب موسى
وحباب جلى
و يومن بخيتن جابكن
حباب المن بنى الجرار
كُرام أنسابكُن
وصلتو من الغرب
واليوم تمام فى دياركُن
جميع عرب البطانة
اليوم يقولو حبابكن
وأصل نهاية كل بيت هى (الميم) وهى من حروف الاقلاب وتقلب باء كقولك مكة و بكة أما نحن فى السودان فنطقها نوناً كلهجة عامية سادت بين الناس .
فلك أن تتصور هذه القيم و المُثُل العاليه تُغرس فى نفوس أطفال لم يتجاوزوا الثامنة أو العاشرة من أعمارهم .
فبلا شك كانت لنا مثل هذه الأحاجى بمثابة (التلفاز) والوسائط الحديثة فى هيئة قامات تتحرك بيننا أللا رحمهم الله جميعا وأكرم نزلهم وأحسن اليهم .
أبايزيد الشيخ نور الدائم هو رجل ضخم الجثة فارع البنيان تنتابة (الكُحّة) بصورة متواترة كثيراً ما رأيته فى بيت عمى عبد الرحمن زائرا لبنت أختة الحاجة دار السلام
وأستمعنا له فى تلك الليالى المقمرة يلقى علينا مسرحية طه و ريّا ومحمد ود دكين بصوته الجهور وكان بارعا فى فن الالقاء ينساب الشعر سلساً لا تقطعه الا نوبات السعال.
وأظن هذه المسرحية جمعها وأرخها الشاعر ابراهيم العبادى أو أنها تواترت سماعاً بين محبى التراث وشعر البطانة ولعل هناك تسجيل لها بصوت العم أبايزيد وثقها أبناؤه من بعده وموجودة عبر وسائط التواصل الاجتماعى .
تحكى عن زمن رائع و فروسية و شهامة وكرم و شعر و أدب و سياسة كان أبطالها المك نمر و محمد ود دكين وطه البطحانى .
تقريبا أنى حفظت هذه المسرحية سماعاً وأنا مازلت تلميذاً بالابتدائى
الا رحم الله كل الذين مضوا الى ربهم وغرسوا فينا من القيم السمحة ما يدثرنا و يحفظ ديننا و يزين رؤوسنا بعمامات من الكبرياء والثقة بالنفس .
(المقال مُعاد و سبق نشره عدة مرات)
الثاني عشر من مارس ٢٠٢٦م
الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك



