مقالات الظهيرة

( درب التبانة) د. الحسين تاج الدين أحمد يكتب… التعليم الأجنبي: بين التطلعات العالمية والبوبار الاجتماعي

في زمن العولمة، أصبح التعليم الأجنبي أشبه بجواز سفر معرفي يفتح أمام الطالب أبواب العالم، حيث باتت الجامعات الدولية والمناهج المستوردة والمدارس الخاصة التي ترفع شعار “التعليم العالمي” جزءًا من المشهد التعليمي في كثير من الدول. ينظر إليه البعض كفرصة ذهبية للارتقاء بالمستوى الأكاديمي والانفتاح على ثقافات متعددة.

بينما يراه آخرون مجرد “بوبار” اجتماعي يهدف إلى التفاخر أكثر من تحقيق الفائدة الحقيقية.

 

التعليم الأجنبي لا يقتصر على كونه خيارًا أكاديميًا، بل يتطلب أيضًا متابعة واعية من الوالدين لأبنائهم في المحتوى والاختيارات. فلا ينبغي أن يُترك الباب مفتوحًا على مصراعيه للمؤسسة التعليمية لتقرر وحدها مسار الطالب. فغياب المعرفة الدقيقة، وعدم تفحّص الواقع من قِبل الأسرة، يجعل التجربة أقرب إلى البوبار منها إلى الاستثمار المعرفي.

 

ولا شك أن الوالدين يمتلكان خبرة بالمناهج الوطنية التي تمرّسا عليها ومرّا بها، لكن المناهج الأجنبية تبقى غريبة ومتفرعة، وتحتاج إلى متابعة دقيقة وفهم عميق حتى لا يتحول الطالب إلى مجرد متلقٍّ لخيارات مفروضة عليه دون وعي أو مشاركة أسرية. وهنا يظهر دور الأسرة كحارس للبوابة، يوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على هوية الأبناء، ويحوّل التعليم الأجنبي من قشرة براقة إلى تجربة حقيقية تحمل قيمة ومعنى.

 

من جهة، يحمل التعليم الأجنبي تطلعات واسعة تتمثل في تنمية المهارات العالمية، وإتاحة فرص أكاديمية أوسع، وتأهيل الطالب لسوق العمل الدولي. ومن جهة أخرى، قد يتحول إلى مجرد موضة اجتماعية تُدفع فيها مبالغ طائلة مقابل مناهج قد لا تختلف كثيرًا عن المحلية، ويُستخدم كوسيلة للتفاخر بين الأسر، مما يفرغ التجربة من مضمونها الحقيقي. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل التعليم الأجنبي — بالفعل — استثمار في المستقبل أم مجرد موضة عابرة؟

 

الجوهر الحقيقي يكمن في وعي الطالب والأسرة معًا؛ فالتعليم الأجنبي يمكن أن يكون فرصة ذهبية إذا استُخدم بوعي، وبقدر من التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الهوية الوطنية. لكنه قد يصبح عبئًا فارغًا إذا اقتصر على المظاهر دون مضمون.

 

وفي النهاية، يبقى التعليم الأجنبي بين صورتين متناقضتين: صورة مشرقة تحمل تطلعات عالمية، وصورة أخرى باهتة لا تتجاوز حدود البوبار. والفيصل الحقيقي هو وعي المجتمع الذي يقرر ما إذا كان سيجعل منه جسرًا نحو المستقبل، أو مجرد قشرة لامعة تخفت سريعًا أمام تحديات الواقع، ليكون الوعي النقدي بمثابة مجرة من الحكمة تهدي العقول وتفتح الآفاق، كما تهدينا درب التبانة في عتمة السماء.

 

مع تحياتي

د. الحسين تاج الدين أحمد

الدوحة – قطر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى