(درب التبانة) د. الحسين تاج الدين أحمد يكتب… زاوية منفرجة

يسعى الإنسان في حياته اليومية إلى تحقيق الاستقامة، باعتبارها قيمة معيارية تضبط السلوك الفردي ضمن الإطارين الديني والاجتماعي. فهي بمثابة منظومة ذاتية يركن إليها الفرد في بناء حياته، وتشكّل أساسًا لعمليات التصحيح الذاتي وإعادة توجيه الممارسات غير المرغوبة.
استنادًا إلى مرجعيات دينية أو أعراف اجتماعية راسخة. غير أن هذا المسعى كثيرًا ما يصطدم بواقع الممارسات اليومية التي قد تتعارض مع المعتقدات الداخلية، ويزداد الشعور بالرفض والامتعاض حين تكون تلك الممارسات منبوذة دينياً و إجتماعيًا ، في ظل غياب السلطة أو الأدوات اللازمة لإحداث التغيير.
في هذا السياق، وجّهت شاشات الإعلام أنظارها نحو منصة “بلدنا”، تلك المنصة التي طالما حلم بها السودانيون كما حلموا ببلدٍ أجمل، أكثر عدالة وتنظيمًا. يهمس الجميع بأن هذه المنصة الإلكترونية ستكون نقطة تحول، إذ تقدّم الخدمات الحكومية بضغطة زر وإيصال إلكتروني، وتحد من ممارسات “تحت التربيزة” و”أمشي وتعال”، متجهة نحو تنظيم رقمي يعيد توجيه الخدمة المدنية ويطورها، خاصة وأنها كانت جاهزة قبل أن تدور رحى الحرب.
منصة “بلدنا” ليست مجرد مشروع تقني، بل هي محاولة جادة لتقويم زاوية منفرجة في جسد الدولة، زاوية طالما عانت من التفلت الإداري والتهرب من المسؤولية والفساد المالي. إنها دعوة للاستقامة، ولو جزئية، في مسار الخدمة المدنية التي أنهكتها عقود من التراكمات، ولا تزال تعاني من التسيب واللافعالية في التطبيق.
الزوايا المنفرجة لا تقتصر على مؤسسات الدولة فحسب، فالمجتمع السوداني نفسه يعاني من انحرافات عديدة يسعى أبناؤُه المخلصون إلى تقويمها. ففي زاوية التعليم يعاني النظام التعليمي من ضعف المناهج وتفاوت فرص الوصول وغياب الرؤية الوطنية الموحدة، ما يدفع الشباب نحو الهجرة أو الإحباط. وفي زاوية العدالة الاجتماعية تتجلى الفجوة بين الطبقات وتغيب العدالة في توزيع الفرص، مما يخلق شعورًا بالغبن والتهميش. أما زاوية القيم المدنية فقد تراجعت فيها مفاهيم المسؤولية والانضباط، وحل محلها التراخي والاعتماد على العلاقات الشخصية بدلًا من الكفاءات. وفي زاوية الإعلام باتت المنابر في كثير من الأحيان أداة للتضليل أو الترفيه السطحي، بدلًا من أن تكون وسيلة للتنوير والمساءلة.
إن تقويم هذه الزوايا لا يتم بالشعارات البرَّاقة، بل بالمشاريع الجادة والمنصات الفاعلة والإرادة السياسية والمجتمعية التي تدرك أن الاستقامة ليست رفاهًا، بل ضرورةً وجودية لوطنٍ يريد أن ينهض من تحت الركام. ونتمنى أن يدرك المسؤولون أن استقامة الحياة المدنية تبدأ من زاوية واحدة، ولكنها لا تنتهي عندها، فكل زاوية منفرجة في جسد الوطن هي دعوة للتعديل، وكل مشروع إصلاحي هو خطوة نحو وطنٍ مستقيم، عادل، ومزدهر… وطنٌ يضيء في عتمة الأزمات كما يضيء درب التبانة في ظلام الكون، دالًا على الطريق، ومبشرًا بأن النور ممكن مهما اتسعت العتمة.
مع تحياتي
د. الحسين تاج الدين احمد
الدوحة – قطر



